ـ3ـ
كانت الفكرة السائدة لدى الباحثين والعامة من الناس أنّ نهضة الأدب العربي المهجري بدأت في أمريكا الشماليّة والجنوبيّة وانحصرت هناك وهي ذات طابع لبناني بارز، ومن روادها الأوائل جبران خليل جبران، ميخائيل نُعيمة، إيليا أبو ماضي، الشاعر الشاكي رشيد أيوب، الأديب المُقل في نشره إلياس عطا الله، أحمد زكي الشاعر المصري، الشاعر والناقد السوري عبد المسيح حدّاد،؛ حيث اصدروا الصحف وأَسَّسوا الرابطة الأدبيّة هناك.
إنّ أدب المنفى بات مقرونًا بالرابطة القلميّة، التي تعود نشأتها إلى عام 1920 في نيويورك. أو بالعصبة الأندلسيّة في ساون باولو البرازيلية المقامة في مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم، وبذكر العصبة يتوافد إلى الذهن ميشيل نعمان معلوف، والشاعر القروي رشيد سليم الخوري الذي ترأسها عام 1958. من دون الالتفات إلى الأدب المهجري في أستراليا.
من المؤكد أنّ أدبًا مهجريًا وكتابات عربية ظهرت في المنفى الأمريكي، حيث يذكر لطفي حدّاد في مقاله "خواطر في الأدب المهجري المعاصر"، إنّ "أول صحيفة عربية ظهرت في المهجر الأمريكي كانت "كوكب أمريكا" عام 1892، أصدرها إبراهيم ونجيب عربيلي". ولكنني مع الرأي السائد والقائل بأنّ الأدب العربي في أمريكا تبلور وعُرف مع نشوء الرابطة القلمية.
وإذا عرجنا نحو الأدب المهجري في بلاد الاقيانوس، فلا بُدّ لنا من العودة إلى ما ذهب إليه د. بول طبر في كتابه المطبوع عن الجاليات العربية في أستراليا، وذلك لمعرفة الاعداد المهاجرة من البلدان الشرق أوسطية....، فنقرأ: "تشير الإحصائيات المتوفرة للباحثين إلى أنه مع نهاية القرن التاسع عشر، بلغ عدد اللبنانيين المولودين في لبنان 1750 شخصًا، كانوا موزعين على الولايات الاسترالية..." (ص54). ويضيف في ص (56) من الكتاب: "ومع حلول عام 1947، وصل عدد المهاجرين اللبنانيين، ومن ضمنهم الجيل الثاني والجيل الثالث إلى ما يقرب الـ7000 شخص". "وتشير الإحصائيات الرسمية إلى إن المعدل السنوي بين عامي 1947 و1961 كان 400 شخص، وارتفع المعدل إلى 800 شخص خلال عامي 1961 و1966، ليعود ويرتفع بشكل ملحوظ ما بين عامي 1966 و1971 ويصبح 3000 شخص" (ص60).
"وبالمقارنة باللبنانيين، احتل المصريون المرتبة الثانية بالنسبة إلى عدد المهاجرين العرب إلى أستراليا" (ص61).
ولا نعلم متى بدأت الهجرة العراقيّة إلى هذه البلاد العزيزة، لكن الدكتور بول طبر يفيدنا في كتابه المذكور آنفًا أنّ عددهم في عام 1976 لم يتجاوز 2273 شخصًا" (ص 67). ومن المؤكد أنّ العدد ارتفع بصورة واضحة بعد عامي 1991 و2003.
وأنقل هنا للقرّاء نص ما كتبته الكاتبة نجاة فخري مرسي في دراستها الموسومة: "حول نشأة الأدب العربي المهجري في أستراليا" والمنشورة في موقعها الالكتروني:
"يعود تاريخ الهجرة العربية إلى عام 1860م، إلا أن الصحافة العربية قد بدأت بوادرها في الظهور عام 1957م، وهو تاريخ صدور أول نشرة نصف شهرية اسمها "الوطن العربي" ولم تستمر أكثر من عام. وفي العام 1965م صدرت جريدة “القمر” النصف شهرية ثم جريدة ”الهدف” الأسبوعية. وفي أواخر الستينات صدرت صحيفة “صوت المغترب” ثم غابت ثم عادت، وكانت عودتها بداية انتظام الصحف اللبنانية والعربية، تبعتها جريدة “التلغراف” كل خميس. وفي عام 1975م، أصبحت التلغراف ملكاً لأربعة شركاء هم: بطرس عنداري، إدوارد عبيد، جورج جبور، وجوزيف خوري” وما زالت تصدر حتى الآن ثلاث مرات في الأسبوع[1]. وفي العام 1977م، تم تأسيس جريدة “النهار” التي ما زالت تصدر حتى الآن مرتين في الأسبوع. وفي العام 1986م، صدرت جريدة “البيرق[2]” التي تصدر حالياً ثلاث مرات في الأسبوع. وصحفنا المهجرية اليوم تصدر جميعها بانتظام، وبدأت تستعمل التكنولوجيا الحديثة التي تُمكنها من نسخ نصف موادها عن الصحف العربية، حتى أنها تستعمل نفس أسماء الصحف العربية في الوطن الأم.
يقول تقرير سليم الزبال في مركزه للمعلومات، إن مائة جريدة ومجلة عربية صدرت في أستراليا منذ عام 1957م، حتى صدور مركزه للمعلومات عام 1989م، “منها حوالي 36 مجلة”. واختصاراً للوقت، سأكتفي بإدراج أسماء أوائل المجلات العربية التي صدرت في أستراليا.
أوائل المجلات العربية في أستراليا:
يقول هذا التقرير المعلوماتي إن أول مجلة صدرت في مدينة ملبورن عام 1963م كانت مجلة “النور” واستمرت تصدر حتى عام 1867م، شهرية وأحياناً نصف شهرية. وإن مجلة “ المنارة” كانت أول مجلة دينية صدرت عن اتحاد المجالس الاسلامية في أستراليا عام 1964م، وكانت تصدر أربع مرات في السنة، ثم أصبحت تصدر مرتين سنوياً، وتحتوي على مقالات بالعربية والانكليزية. وإن مجلة “الرسالة“ كانت أول مجلة سياسية اجتماعية، صدرت في ملبورن عام 1975م، شهرية استمرت لمدة عامين. وإن مجلة “الثقافة” كانت أول مجلة حزبية شهرية تصدر في أستراليا عام 1975م، استمرت لعدة سنوات. وإن مجلة “الاقباط” كانت أول مجلة دينية تصدر عن الهيئة القبطية الأسترالية عام 1977م، وتوقفت بعد إصدار عددها الثاني.
وهكذا استمرت المجلات العربية بالصدور، منها من يستمر، ومنها من يتوقف بسرعة تدل على أن الأعباء المادية، وضآلة التوزيع هما السبب في هذه المعاناة. ومع ذلك ما زلنا نقرأ مجلات التسعينيات، حتى صدور مجلة “الجذور” في ملبورن التي نتمنى لها قوة الاستمرار.
هكذا، وبعد هذا العرض المختصر، نجد بل ونستنتج أن الصحافة العربية كانت وما زالت تصر على تأكيد وجودها، ولو بشق الأنفس، بل وما زالت الدليل الصارخ على رغبة المهاجر اللبناني خاصة، والعربي عامة، في التمسك بلغته وتراثه،“ وكما نعلم أن أكثر مشاريع الصحف كانت تجارية وثقافية معاً”.
رابطة إحياء التراث العربي:
ننتقل الآن للحديث عن هذا الحدث الثقافي العربي في المغترب الأسترالي.
تأسست رابطة إحياء التراث العربي في سدني عام 1981م ”في سنة جبران العالمية”، وبدأت نشاطها تحت اسم ”تجمع أصدقاء جبران” وفي الحفل الذي أحياه التجمع للمشاركة بتكريم جبران، أعلن عن إنشاء جائزة وقدرها “500 دولار” تُمنح لأفضل بحث أو دراسة تتنأول سيرة جبران وأدبه، وأن تحمل هذه الجائزة اسم ”جبران خليل جبران” وكما قرر التجمع أن يتخذ اسم ”رابطة إحياء التراث العربي في أستراليا” وحدد أهدافه في دستور، وكان من بين أهدافه إحياء التراث العربي في أستراليا. وفي عام 1984م، احتفلت الرابطة بأول جائزة تحمل اسم “جبران خليل جبران” وكان الحفل حافلا بالمؤيدين والخطباء، حيث فازت السيدّة وداد الياس بالجائزة الأولى، وفاز السيّد إيلي ناصيف بالجائزة الثانية، وهكذا استمرت الرابطة باقامة الندوات وتقديم الدعوات ومنح جائزتها الجبرانية لمن تقرر لجنتها أنه يستحقها، إلى أن سجلت نجاحها بعد أن فردت أجنحتها إلى الأوطان العربية، وإلى المغتربات والمهاجر العربية الاخرى".
وجبّ عليَّ هنا أن أذكر شهادة للتاريخ، الذي يعلم المشتغلون به انه ليس لعبة نلهو بها، أو نكتبه وفقًا لاهوائنا ومصالحنا، فالتاريخ احداث لا يجب العبث بها أو تطويع سياق وقعائعه لخدمة دراسة ما أو فئة معينة من الناس، أقول هذا لكي أوضح إنّ تلك المسابقة الجبرانية اليتيمة لم تكمل سيرها، بل توقفت لأكثر من ثلاث سنوات، إلى أن التقى شاعرنا البعيني عام 1985 برئيس الرابطة آنذاك الاستاذ كامل المر وأقنعه بإيجاد جائزة عالمية ثابتة باسم الفيلسوف اللبناني جبران، وبعد الموافقة قام شربل بتصميم براءة الجائزة، كما صمم الميدالية الاستاذ صبري رمضان. وكان من جميل الصدف، أنّ أوّل من فاز بها عام 1987 هو الأستاذ شربل بعيني.
وإليكم بعض ما جاء في كتاب "أجمل ما قيل بأدب شربل بعيني" في فصل "جوائز تقديرية"، لمؤلفه المهندس السوري المرحوم رفيق غنّوم عن الجائزة:
"عام 1987، منحت رابطة إحياء التراث العربي جائزة جبران العالميّة للشاعر شربل بعيني، وكان من أوائل الذين فازوا بها.. وها أنا أنقل من أرشيفه قصّة فوزه بالجائزة، كما دوّنها بقلمه:"سنة 1985، كنت أطبع ديوان الغربة الطويلة في مطبعة الثقافة التي يملكها كامل المر،
فدار بيني وبينه حديث غلّفه بخيبة أمله بمعظم الذين تعامل معهم في الرابطة، وأنهم لا يصلحون لشيء، وأن الرابطة تراوح مكانها، فقلت له:
ـ لماذا، يا كامل، لا تنشىء الرابطة جائزة أدبيّة تحمل اسمها إلى كافّة أقطار العالـم؟
فأجاب:
ـ قديماً أجرينا مباراة باسم "جبران"، كانت جائزتها من نصيب السيّدة وداد الياس والأستاذ إيلي ناصيف.
فقلت:
ـ عظيم.. فليكن اسم الجائزة "جائزة جبران".
قال:
ـ وكيف سيتمّ هذا؟
قلت:
ـ أنا أصمّم البراءة وأنت تطبعها.. ويقوم صبري رمضان بتصميم الميداليّة.
وهكذا صار، ولكن المفاجأة الكبرى كانت عندما منحتني الرابطة الجائزة، ولـم أكن قد انتسبت إليها بعد. فقلت لكامل، واللـه يشهد على ذلك:
ـ يا كامل.. أنا لـم أصمّم الجائزة، ولـم أطلب منك إنشاءها كي أحصل عليها.
فقال:
ـ لا أحد غيرك يستأهلها.. أرجوك أن لا تفتعل خضّات في بداية توزيع جائزة أنت تعبت وسهرت من أجلها.
وبعد عودتي من المربد الشعري في بغداد، علّقت الرابطة أوّل جائزة جبرانيّة على صدري.."
وعن نفس الموضوع يفيدنا الإعلامي المخضرم أكرم برجس المغوش في مقاله الموسوم "الشاعر شربل بعيني مؤسس ومصمم جائزة جبران للأدب العربي" المنشور في موسوعة "شربل بعيني بأقلامهم":
"عندما أسسنا رابطة احياء التراث العربي انتخبت سكرتيراً لها فاقترح علينا الشاعر والاديب المعروف شربل بعيني توزيع جائزة كل عام باسم الاديب العالمي جبران خليل جبران فأخذنا بالاقتراح وكان المصمم والمؤسس والممول لهذه الجائزة المعنوية الشاعر الاديب شربل بعيني.
وفي عام (1987) جرى أول احتفال لتوزيع الجائزة التي قدمها سفير لبنان لدى استراليا ونيوزلندا الدكتور الاديب لطيف ابو الحسن، نالها الشاعر شربل بعيني والدكتورة الاديبة سمر العطار والاديب فؤاد نمور عن الاديبة انجال عون وسكرتير رابطة احياء التراث العربي الاعلامي اكرم برجس المغّوش عن الاديب الكبير نعمان حرب صاحب المؤلفات العديدة عن ادباء المهجر وابطال التاريخ العربي النزيه والمشرف وخاصة في محافظة السويداء جبل القائد العظيم سلطان باشا الاطرش .
وامانة للتاريخ يهمنا ان نذكر ان جسر التواصل الذي بنيته مع راعي الادب المهجري الاستاذ نعمان حرب وجريدة الثقافة السورية وادباء المهجر كان خير من ادى الرسالة وعمق المحبة الشاعر بعيني لان المحبة رسالة والله محبة. .
وامانة للتاريخ يهمنا ايضاً ان نؤكد ان المؤسس لهذه الجائزة هو المبدع شربل بعيني صاحب المؤلفات العديدة في الشعر والنثر والقصة والمسرح والادب واكثر المؤلفات التي كتبت عنه والاهم انه قدم منزله في مسقط رأسه هدية لبلديتها حيث سيحولونه متحف الشاعر شربل بعيني مثل دارته التي كانت وما زالت مشرعة الابواب حسب وصية والديه رحمهما الله بعيداً عن السياسة الهدامة....."
ما أرمي الوصول إليه من هذه الاستشهادات إنّ أدبًا مهجريًا كان لا بُدّ وأن تأسس قبل وصول "البعيني" إلى هذه القارة المترامية الاطراف، من خلال هجرة رعيل من المهاجرين العرب إليها، فمن المؤكد أنّ هناك من سبق شربل بعيني من الأدباء والشّعراء اللبنانيين والعرب إلى هنا، فلا يختلف إثنان على أنّ هناك من أسس صحافة عربية وجمعيات أدبيّة مهجريّة، وهناك من طبع كتبه في لبنان أو مصر أو سورية....ووزعها في أستراليا كالشاعرين اللبنانيين عصام ملكي "عذاب الحب 1973" وسمعان زعيتر "لبنان 1974"، ولكن شربل كان السبّاق في طبع أوّل كتاب عربي في المغترب الأسترالي وهو "مجانين" عام 1976[3]، ووزعه في أستراليا ولبنان وسائر الدول العربية. ويخبرنا شربل: إنّ عمال المطبعة لم يفهموا أرقام الكتاب العربية، فجاء جمع صفحاته سيئًا للغاية، فاختلط حابل القصائد بنابلها، فما كان منه إلّا أن أطلع صاحب المطبعة على "الكارثة"، فتفهّم الأمر وأعاد طباعة الكتاب من جديد، بعد أن سمح لشربل بالبقاء في المطبعة طوال مدة طبع وجمع الكتاب.
حمل شربل حقائب هجرته إلى أستراليا عام 1971 قادمًا من تاج الشرق لبنان، ولحظة وصوله لم تكن الأرض معبدة أمامه ولم تكن مفروشة لا بالورد ولا بالارز، بل كانت مليئة بالصعاب الحياتيّة، ولكن اصراره على صنع الذات، جعله يتغلب على قساوة الحياة والكثير من المعوقات، ورويدًا رويدًا استطاع الوصول إلى ما وصل.
كان شربل يحمل موهبة أدبيّة واعدة في بلده، ولأن الموهبة لا بُدّ من أن تكشف عن ذاتها، تراه أشرق شعرًا ونثرًا وصحافةً وخلقًا. ازهرت موهبته في مجدليا، لكنها اينعت وتدلت قطوفها الناضجة في سيدني؛ إذ صدر له في لبنان ديوانان شعريان: "مراهقة" 1968، والذي ستحتفل الجالية بيوبيله الذهبي عام 2018 بإذن الله، بعد أن احتفلت بيوبيله الفضي عام 1993. و "قصائد مبعثرة عن لبنان والثورة" عام 1970. لتكرّ بعدها مسبحة الكتب، فنَشَرَ حتّى الآن أكثر 43 مجموعة شعريّة ما عدا أعماله الكاملة، وكتبه المدرسيّة التي لم تزل تُدرّس حتّى الآن في معظم المدارس العربيّة والأستراليّة التي دخلها برنامج تعليم اللغة العربيّة.
ولأن أستراليا وطن للمنفيين والمهاجرين، نلقى حكومتها تشجع الكتابة مهما كانت لغتها، وتدعم تأسيس الروابط والجمعيات والمنتديات الثقافيّة بلغة اعضائها، إثراءً للثقافة الأستراليّة المتنوعة والمتعددة، لهذا عقب استقراره، وجدَ شربل الظروف مهيأة أمامه في المجتمع الجديد للانخراط في الحراك الأدبي بعد أن بسط جناحيه في فضاء التجارة كتاجرٍ، فساهم على نحوٍ فعّال مع من سبقوه في تبلور حركة أدبيّة مهجريّة، لعبت دورًا في عدم جرف المهاجرين الشرق أوسطين إلى امواج وتيارات الهجرة، كما جرفت غيرهم من قوافل المهاجرين من بلدانٍ شتى، من خلال نشر اللغة العربية بشقيها الفصيح والعاميّ، علاوة على الإتشاح بالروح الوطنيّة والتمسك بثقافة البلد الأم. ويظهر جليًا في أدب شربل الأغترابي تلك النزعة الوطنيّة التي لم يستطع منشار الغربة أن يشطرها، فأصبحت كلمته بمساحة الوطن.
صحيح ان الوطن لفظه كما لفظ غيره لأسباب ليست كلها سواء، لكنه رفض أن يمحو سجل لبنانيته بمنشفة مبللة بخطإ أو خطأين أو حتّى ثلاثة من ساسة العصر في لبنان الموجوع!، وامتنع عن البكاء على الأطلال والجلوس في جبال الماضي، فرسم بالكلمة لبنانًا جديدًا فاتنًا على بياضات الورق، أكثر جمالاً وسلامًا من لبنان الذي يشاهده في التلفاز أو الذي يقرأ عنه في الصحف خلف قضبان الغربة.
ولكي أكون موضوعيًا ودقيقًا في طرحي، اذكر هنا: إنّ اللبنانيين لهم اليد الطولى في تبلور وبروز حركة أدبيّة واضحة المعالم على سطح الاغتراب الأسترالي [4]، كان لشربل بعيني بصمات ناصعة في توضيحها، وجهودًا حثيثة في الرفع من لغة الضاد، ودور كبير في هذه الحركة وجعلها أدبًا مهجريًا واسع الانتشار، خاصّة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، من خلال رابطة احياء التراث العربي، وعَبرَ كم هائل من منشورات أدبيّة وصحفيّة، فضلاً عن دعوته نخبة من الأدباء العرب من خارج أستراليا للمشاركة في مهرجانات الأدب المحليّة، للتعرف بقدرٍ أكبر على الأدب المهجري في بلاد الأوز. كما شكلت مراسلاته مع نزار قباني والأب يوسف السعيد، وعبد الوهاب البيّاتي، والمرحومين عصام حدّاد ومحمد الشرفي، وايضاً مع محمد زهير الباشا وفاطمة ناعوت والدكتور رفعت السعيد وصبري يوسف وغيرهم دائرة الضوء المسلط والكاشف على الحركة الثقافيّة في أستراليا.
ولأن التاريخ يصنعه الشجعان المبدعون، وما شربل، سوى أديب لبناني مبدع، استطاع بنور قصيدته أن يضيء ليل المنفى ليسجل تاريخًا، فشيد مع غيره عمارة الأدب العربي المهجري على تراب الجزيرة الأستراليّة العالقة في كعب الدنيا. وهأنذا اسوق نص الرسالة التي ارسلها الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البيّاتي إلى شربل عام 1988 فهي تؤكد تلك الحقيقة:
"... وقد ذكرت لك في رسالتي أن أحد الأصدقاء قد كتب مقالة عن هذه الندوة، وقد كتبها فعلاً ونشرت في الطبعة الدولية لجريدة (القبس) الكويتية، وهي من أهم الصحف العربية، وتوزع يومياً في كافة أرجاء الوطن العربي والولايات الأمريكية وكندا وكافة الأقطار الأوروبية. في طي رسالتي هذه أرسل إليك نسختين أو صورتين من مقالة الصديق هذه وعن طريق نشر هذه المقالة يكون القارئ العربي في كل مكان من العالم قد اطلع ولو بشكل مختصر على نشاطكم الجمّ وعلى ما تقومون به من خدمة جلّى للثقافة العربية مع خالص الود والاحترام..." [5]
لقد قرأه الناس في السبعينيات بلبنان، وفي أستراليا أدهشتهم همته وحرصه على الأدب والأدباء، أضف على ذلك غزارة قلمه السّيال في الثمانينيات والتسعينيات على صفحات الصحف والمجلات والكتب والدواوين، أما صوته فقد رنمَ الشعر في محافل يطيل الحديث عنها، كما أن كلماته ازدادت ضياءً في الألف الثالث.
اقام في بيته عدد كبير من الأدباء والشّعراء والصحفيين من خارج أستراليا، وفي هذا البيت أيضًا اقيمت اماسي شّعريّة كثيرة. ولا ننسى مساعدته الماديّة أو الطباعيّة وتشجيعه المعنوي وتحفيزه الأدبي لغيره من كُتّاب الحرف في طبع نتاجاتهم الأدبيّة في أستراليا.
فلا أجد غرابة في الأمر حين أطلق نخبة من حمَلة القلم لقب عميد الأدب العربي في أستراليا على الشاعر شربل بعيني، ومن هؤلاءِ:
الصحافي جوزيف أبو ملحم، الكاتب موسى مرعي، الكاتب سركيس كرم، الكاتب أنطوني ولسن، الشاعر سايد مخايل، شاعر المهجر الأكبر يحيى السماوي، الأب يوسف جزراوي، الشاعر حيدر كريم، الشاعر أحمد الياسري في أمسية العراقيّة 2015، الشاعر المندائي بنان في أمسية العراقية 8 اذار 2012، الفنان منير العبيدي حين طلب من الأستاذ شربل تقديم الجائزة التي منحتها مؤسّسة آفاق للدكتور خلف المالكي، الإعلاميّة إلهام حافظ لحظة أثنت عليه عقب نبذة الشاعر الياسري في أمسية العراقيّة عام 2015.
وبالعودة إلى اضابير الذّاكرة، فإنّني أجد أنّ الأستاذ شربل سبق وأن رفض هذا اللقب في مقالٍ كان قد كتبه على صفحته في موقع الغربة، وفي أمسيّةٍ ثقافيّةٍ زاملته فيها، ودعوني أبدا من الثانية: حدث في إحدى الأماسي الثقافيّة التي اقامتها رابطة البيّاتي الشّعريّة أنّ عريف الحفل وهو الشّاعر العراقي حيدر كريم قدّم الشّاعر اللبناني شربل بعيني كالاتي: الآن كلمة شّاعر الغربة الطويلة، الكبير شربل بعيني، عميد الأدب العربي المهجري في استراليا. وأذكر أن الأستاذ شربل همس في اذني قائلاً: "أنا لست عميدًا، يا أبانا هناك من هم أجدر مني بهذا اللقب". ولكَم كبرَ الكبير شربل يومذاك في عيني كثيرًا لتواضعه الجمّ، فالكبار يبقون كبارًا وإن كمّوا افواههم تواضعًا عن البوح بمنجزاتهم، بل إنّ تواضعهم يزيدهم كبرًا واجلالاً ورقيًا، والصغار يبقون صغارًا مهما ثرثروا في ادعاء ما ليس لهم، بل إنّ ثرثرتهم ونفخ ذاتهم المتورمة الكاذبة تزيدهم صغرًا، حتّى يختفوا عن انظار الإبداع ويمحوا من سجلات الخلود.
وفي مقالٍ كتبه شربل بعيني في صفحته بمجلة "الغربة" بعنوان "أنا لست عميداً للأدب المهجري"، بعد أن لقبّه بعض الادباء والشّعراء بذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل شربل بعيني جدير بحمل هذا اللقب، بعد أكثر من ثمانية وأربعين سنة من العطاء الأدبي في الوطن والمهجر؟. وقبل أن أجيب على هذا السؤال إليكم ما كتب:
"منذ عدة أيام اتصل بي أخي وصديقي ورفيق غربتي الاستاذ جوزاف بو ملحم، ليطمئن على صحتي، وهل تغلبت على "الانفلونزا" أم لا؟ وكم كانت دهشتي عظيمة عندما غيّر مجرى الحديث وقال:
ـ أتعرف يا شربل.. لقد آن الأوان كي نعلنك عميداً للأدب المهجري.
فأجبته وأنا أضحك:
ـ وهل أنا طه حسين؟
فقال:
ـ ولكنك أكثر من ضحوا في سبيل أدبنا المهجري، وتشجيع أقلامه.
وجوزاف بو ملحم، لمن لا يعرفه، هو خريج الجامعة اللبنانية ـ كلية الاعلام، ومجاز بالصحافة ومراسلة الوكالات الاجنبية. والناشر لجريدة "صدى لبنان" التي حضنت الأدب المهجري وأعطته سنوات ذهبية، كما أنه صاحب كتاب "الثورة في شعر شربل بعيني"، وحائز على جائزة جبران العالمية.
أحببت أن أسجل هذه الحادثة، بعد أن تفضّل علي الأستاذ موسى مرعي بمقال رائع، جاء رداً على ما كتبه الاستاذ سركيس كرم حول "خواطري"، ومن غريب الصدف أنه كتب في نهايته: "لقد تجرأت ووهبته من نفسي لقب "عميدنا" دون ان استأذن احدا".
هنا لعب الفأر في عبّي، وقلت في سرّي:
ـ لا بدّ من أن يكون قد حصل اتصال بين جوزاف بو ملحم وموسى مرعي، وإلا كيف أعلنني موسى عميداً للأدب المهجري بعد يومين من مداعبة جوزاف لي.
لم أنم تلك الليلة، ورحت أترقب الصباح بعيون جامدة، كي اتصل بجوزاف وأسأله إن كان يعرف شخصاً اسمه موسى مرعي، ولكم كانت دهشتي عظيمة حين أنكر معرفته به، فصحت بأعلى صوتي:
ولكنه أعلنني عميداً للأدب المهجري بعد يومين من إعلانك أنت، فكيف حصل هذا؟.
ضحك وقال:
- إنها صدفة غريبة حقاً.. والآن بإمكانك أن تقول أنني السبّاق شفهياً، وموسى مرعي السبّاق كتابياً بإعلانك عميداً للأدب المهجري.
والأغرب من ذلك أن شخصاً ثالثاً دخل على خط "العمدة" هو الاستاذ سركيس كرم، فلقد كتب تعليقاً على مقال موسى يقول فيه: "شكرا استاذ موسى مرعي على كلمتك عن الاديب شربل بعيني، وأضم صوتي الى صوتك وصوت كل من يثمّن الأدب الراقي. اما بالنسبة الى اطلاقك لقب "عميدنا" على الاستاذ شربل فهي مبادرة في محلها. هنيئا لنا بوجود حاملي راية الفكر في عالم الأنتشار والعاملين على إبراز صورتنا الحضارية وفي مقدمتهم شربل بعيني.. وهنيئاً لنا ب"غربة" حولها الى واحة من العطاء الثقافي المتجدد ومحطة لقاء لذوي الحيوية الانسانية البناءة والساعية دوماً الى الأفضل"..
وبدلاً من أن يرحم ضعفي، ويشد أزري، انضم الكاتب المصري أنطوني ولسن الى الشلة الثلاثية، فكتب يقول: "إلى عميد الأدب العربي في أستراليا الأستاذ شربل بعيني نقول: انه لشرف عظيم أن يختارك أدباء ومفكرون وأصحاب قلم وفكر متطور لتكون عميدا للأدب العربي في المهجر أستراليا. من رشحوك بالكلمة الشفهية أو بالكلمة المكتوبة، ما هم إلا عقلاء الأدب والفكر ولهم بصيرة أعمق من غيرهم، ورؤية أبعد منا جميعا. فقد رأوا ببصيرتهم ورؤيتهم أنه قد حان الوقت ليكون للأدب والأدباء عميد يثبت للعالم أن الأدب في المهجر أستراليا يفوق الأدب في بلادنا الأم. لأنه لم يتدنس بالمحسوبية أو بالتملق لرئيس أو حاكم. إنما نبع من فكر أدباء ومفكرين لهم قاماتهم ويعرفون حق المعرفة معنى أن يلقب أحدهم "شربل" بعميد الأدب. هنيئا لنا ولكل أديب أو مفكر بوجود من يمكننا أن نقول عنه عميد الأدب العربي".
ولكي يصبح عدد الأصدقاء مطابقاً لعدد أصابع اليد الواحدة، وصلتني من الشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي هذه الكلمات الرائعة: "لو لم يجداك جديرا بذلك لما توافق رأياهما على اصطفائك عميدا ـ وها أنا أضم صوتي الى صوتيهما يا صديقي ليس لأنك شاعر كبير وذائد كبير عن الكرامة المتأصّلة في الإنسان فحسب، إنما ولأنك كنت أسبق منا جميعا في رفع راية المحبة العربية والأدب العربي في القارة الأسترالية".
والظاهر أن أصابع اليد الواحدة لم تعد تكفي لإحصاء المحبين، فلقد وصلني من الشاعر والاعلامي الاستاذ سايد مخايل هذا التعليق المشجع:
"العزيز شربل مهما عظمت الألقاب على أهميتها لا ترتقي الى روعة قصيدة واحدة من جرح قلبك أو الى مقالة واحدة من صدق قلمك.
ومهما عظمت القصيدة والمقالة لا قيمة لها من دون قلبك الأبيض الذي لا يضمر إلا المحبة للآخر. لذلك انت العميد للأدب العربي المهجري والقصيدة الرائعة والمقالة الصادقة والاهم عميد للقلوب الصافية الناصعة البياض".
كلمات أصدقائي الستة جوزاف وموسى وسركيس وانطوني ويحيى وسايد المفعمة بالمحبة، بدلاً من أن تفرحني، بدأت تخيفني حقاً، فكيف لي أنا المصلوب في غربتي، الغارق في وحدتي، أن أكون عميداً للأدب المهجري، وهناك من سبقني الى خدمة هذا الأدب، فحين وصلت الى أستراليا عام 1971، حاملاً خيبتي من وطني، وجدت طريق الأدب المهجري معبداً، فمشيت عليه دون خوف، وكيف أخاف، وقد التقيت به بأجمل الوجوه الأدبية، التي غمرتني بحبها وتشجيعها، وسخرت أقلامها للكتابة عني. لذلك اسمحوا لي أن أعلن، وبكل شفافية: أنا لست عميداً للأدب المهجري، بل جندياً للدفاع عنه وحاملاً لرايته، إلى أن يحين يوم رحيلي".
يقول الأستاذ سعيد تركي الشهراني من جامعة ديكن ـ ملبورن عن شربل بعيني في مقال بعنوان "كيف حافظ العرب الأستراليون على الثقافة والأدب العربي في بلد المهجر؟" ما يلي:
"ومن أبرز الشعراء في الأدب العربي الشاعر اللبناني الأصل شربل بعيني والذي أسهم بعدة مؤلفات شعرية ونثرية ومسرحيات باللغة العربية وأخرى باللغة الإنجليزية".
وراح يشرح معاني قصيدة اختارهها له بطريقة مدهشة:
"يقول شربل بعيني واصفاً الأديب الغريب:
تَغْفو.. وَفِي الْعَيْنَيْنِ طَيْرٌ أَزْرَقُ
بِرِياشِهِ الْمَلْساءِ بَدْرٌ مُشْرِقُ
يَخْتالُ في نَبَضاتِهِ فَرَحُ الدُّجَى
وَعَلَى مَسامِعِهِ الْمَدائِحُ تُهْرَقُ
بِجَمالِهِ، ما صاغَ رَبُّكَ طائِراً
وَبِحُبِّهِ بَوْحُ الزَّمانِ مُعَلَّقُ
هَذا الْغَريبُ الْمُستَنيرُ بِفِكْرِهِ
شِعْرٌ يُضَمِّخُهُ الشَّذا والزَّنْبَقُ
أَحْبابُهُ، عُدَّ الدَّقائِقَ وَاسْتَرِحْ
فَتَرَى الْمَطارِحَ بِالْغَريبِ تُحَدِّقُ
لا تَحْسَبَنَّ الْهَجْرَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ
فالأَرْضُ وَقْعَ حُروفِهِ تَتَعَشَّقُ
قَبْلَ ارْتِحالٍ كَمْ تَمَنَّتْهُ الرُّبَى
مَطَراً.. وَحُلْماً أَخْضَراً يَتَفَتَّقُ...
إلى أن قال:
يا ابْنَ العُروبَةِ لا تَسَلْ فَعُيونُهُمْ
تَزْدادُ سِحْراً عِنْدَما تَتَأَرَّقُ
فَاكْتُبْ، أَديبـي، لا تَخَفْ أُرْجوزَةً
سَئِمَ الْمَغيبُ سَماعَها والْمَشْرِقُ
أَنْشِدْ، أَعانَكَ خالِقي، في غُرْبَةٍ
فَلَعَلَّكَ الإنسانَ فيها تُعْتِقُ.
عندما ننظر إلى قصيدة الشاعر نلمس مدى إحساسه كأديب بنظرة العالم من حوله عندما يتغنى بشعره بعيداً عن أرضه لبنان، حتى مع مرور السنين التي قضاها الشاعر في بلد المهجر تجد أن القلب يحنّ إلى أراضيه مهما كانت وعورتها. ومع وجود الحياه الساحرة في البلدان الأخرى إلا أن الشاعر العربي يجد نفسه لا إرادياً يتغنى بجبال ضيعته أو جمال أوديتها ويستمر في غنائها وأشعاره حتى مع علمه بوجود أعين الفضوليين من حوله".
اما الشاعر العراقي احمد الياسري، مدير تحرير جريدة العراقية، فقد كتب عنه رؤية نقدية وجدانية بمقالة نشرت في عموده الاسبوعي بجريدة العراقية، مرتبطة بموجة الحزن التي اجتاحت شربل بعيني بعد وفاة أخيه "مرسال"، فكانت شهادة الياسري في وقت وموقف غاية في الصعوبة ولكنه استطاع ان يدفع موجات الحزن عن صديقه بذكائه النقدي حين بوّب المقالة ووجها للقراء العراقيين الذين يعرفون شربل بعيني، ولم يطلعوا على امنيته الشعرية، وخصوصاً مناجاته الشعرية لشخصية الفيلسوف الاسلامي الكبير الامام علي بن ابي طالب حيث قال الشاعر والصحفي احمد الياسري في مقالته (صبراً يا صاحب المناجاة العلوية .. ان موعدك السكينة):
"لمن لا يعرف الشاعر اللبناني الكبير شربل بعيني في العراق أقول: ان هذا الشاعر المجدد هو احد اصدقاء الامام علي المسيحيين، فديوانه (مناجاة علي) الذي اعتبره الاديب العربي جورج جورداق تجربة ادبية شعرية متفردة و متميزة في قراءة شخصية المصلح والفيلسوف الانساني الكبير علي ابن ابي طالب.. تجاوز بها شربل حدود الشاعرية ليدخل بها آفاق السمو الانساني والانحياز للعاطفة البشرية التي ليس لها هوية ولا تعترف بحدود العقل، إشارتي الى هذه التجربة من تجارب الشاعر الموسوعي شربل بعيني لها دلالات وابعاد إنسانية واضحة، اممية هذا الشاعر وانسنته لكتاباته التي يخرجها من دوائر المألوف العقلي الى اللامألوف الروحي تجعله سلماً يتسلقه الموغلون في العشق، الذين يجمعون شتات حروفهم وافكارهم في الوطن الشعري المنفي شربل بعيني.
عام 2012 حين أقمنا حفل مولد جريدة العراقية التي يكتب بها الشاعر بعيني لم تكن علاقتي بشربل قوية لكنه فاجئني على المنصة بتلك الليلة بمقطوعة نثر اشاد بها بجهدي الشعري والصحفي بالجريدة جعلتني اشعر بخجل كبير، لم يكن شربل صديقي لكنه كان صديقاً لأفكاري، لم يرَ أي حرج بامتداحي وحين شكرته رفض الشكر وقال لي: "يا احمد اذا أردت ان تكون شاعراً متميزا فعليك ان تكون إنساناً متميزاً يقدر الإبداع ويحترمه مهما كان لونه او لغته..".
شربل بعيني هو خلطة إنسانية تتداخل بها كثافة المعنى مع الانحياز للمعطى الإبداعي مع التواضع والتواصل والتجدد متجرد من لغة الأطواق يدفع نفسه الى السمو بكل ما اوتي من قوة ادبية، كتب لبيروت وبغداد وعلي والمسيح، حين يعتلي منصات الشعر تجد ميخائيل نعيمة ينتفض من بين عروقه وحين يبحر بين امواج الهمس يذكرك بهمس البياتي واستصراخه لأزقة بغداد وشناشيل البصرة.
انه عميد أدبنا المهجري الاسترالي ليس بمنتجه الإبداعي فحسب بل بعطائه الانساني ورغبته المتمردة على كسر المألوف وخلق الجدل الذهني المتواصل بمختلف الأفكار الشعرية التي يحرص على طرحها بانتقائية وانحياز واضح لجمالية الفكرة وسمو المفهوم الأدبي، نتاجات شربل اللبنانية كانت عربية بامتياز ونتاجاته الفصيحة كانت لبنانية بتفرد، يُدخِلُ أبا نؤاس في ضواحي الشمال اللبناني وأروقة بيروت البحرية، ويخرج سعيد عقل وميخائيل نعيمة من ليال الف ليلة وليلة وسحر بغداد وغنجها العباسي الفريد..
ان الشعر في تجربة شربل بعيني وجع انساني غير منقطعٍ يتجاوز غلاف الازمنة ولا يقف عند سواتر الامكنة ، انه الضوء بكل ما يحمل من طاقة وإشعاع جمالي، والصوت بكل ما يحمل من هوسٍ على احتضان الصدى والانتشار في الفراغ.. انه الشاعر العربي اللبناني الاسترالي الكبير شربل بعيني.
اهدي هذه المقطوعة العراقية الصغيرة لهذه القامة الشعرية الفارعة تداعيات اغترابية:
دروبنا تقتلُ
وخطونا القاتلُ
نمشي على صخرةٍ
كأننا معولُ
نبدأ من فاصلٍ
لينتهي فاصلُ
نحملُ آمالنا
فيُرهقُ المحْمَلُ
نعيش في وحشةٍ
يغلي بِنَا مرجلُ
تسحقنا ارجلٌ
تتبعها ارجلُ
لا شيء إلا أنا
وانت يا شربلُ
وغربةٌ مرّةٌ
سكـُرها حنظلُ
إياك ان تنحني
فينحني السنبلُ
فَلَو هوت حبةُ
سيفرحُ المنجلُ
ولم يكتَفِ الياسري بذلكْ بل خصّه على صفحته بالفايس بوك بهذه العبارة التي تعتبر بحد ذاتها دراسة:
"شربل بعيني محطة من محطات الشعر العربي المهجري نفخر نحن الشعراء في استراليا اننا عاصرناه فهو امتداد منطقي لرواد الرابطة القلمية.
كما وصفه: "بالبحر الذي لا يمكن ان يهدأ فهو اكثر المبدعين قلقا وحركة حتى بين اسطر مقالاته".
ويسرني أن أختم بما بما قاله الأب الدكتور يوسف سعيد بكتاب "رسائل الأب يوسف سعيد الى شربل بعيني" المربد ـ بغداد 17-11-1987:
"شربل بعيني، يحبك كلماته كزنار مقتطع من قوس قزح. وحده يعرف كيف يصنع من ماء السواقي نسج السلسبيل والخرير. في المربد الثامن، أطلق عقيرته يناجي دماً، ويبارك شعراً. القصيدة التي قدمها بكل ما تملك في بواطنها من حمم أوقدت ناراً في صف الشعراء. بعيني.. أنت درّة نادرة الثمن، جاءتنا من لبنان وأستراليا".
من المعلوم عزيزي القارئ، أنّ أيّ مشهدٍ ثقافي بحاجة إلى وتدٍ يتوسط خيمته، أفليس لنا الحق نحن معشر كتّاب الكلمة وناشريها أو المشتغلين في الجمعيات والروابط الأدبيّة والحراك الثقافي في المنفى الأوزي (البعض أو الأغلبية)، أنّ ننتخب شربل وتدًا لخيمة الثقافة العربية وعميدًا لنا؟. سيّما وأنّ كبار الكتّاب والشعراء والأدباء العرب في مهجرنا وجدوا في منح شربل بعيني لقب عميد الأدب المهجري مطلبًا مُلحًا ومستحقًا.
ولئن نظرنا إلى الأسباب التي دفعتهم إلى هذا المطلب فأنني هنا أدفع إلى القارئ الأسباب الوجيهة، لأعلق كلمتي أيقونات واوسمة على سواري منجزه، بعد أن ايقظني الضمير على ضم صوتي إلى الآخرين في تفويضِ أديبٍ كبير رفيع الكلمة والخلق عميدًا لكلمتنا الاغترابيّة، اخفى قيمته في عباءة التواضع، سيّما وأننا نحيا في زمن بُتنا نصرخ فيه: يا أيها الأديب كن متواضعًا وخلوقًا".
- أصدر نحو 60 مؤلفًا من الكتب والدواوين في أستراليا [6].
- ساهمَ في التعريف عن الأدب المهجري الاسترالي في لبنان، العراق، سورية، مصر، اليمن، الكويت، الجزائر، أمريكا، السويد، لندن... من خلال ما كُتب عنه وعن أدبه ونشاطات رابطة احياء التراث العربي وعن مجلة ليلى وموقع الغربة في تلك البلدان.
- أَلَّفَ شربل وأخرج أكثر من 14 مسرحية للأطفال، أسموه بعدها برائد المسرح الطفولي العربي في أستراليا. وتجدر الإشارة أنَّ فنان العرب دريد لحام اشاد بجهوده يوم حضرَ إحدى مسرحياته في سيدني.
- يُزيّن أسمه مع نبذة عن حياته ومقتطفات من شعره معاجم عالميّة وعربيّة أهمها: معجم البابطين للشّعراء العرب المعاصرين/ الكويت، موسوعة الشّعر العامي اللبناني/ بيروت- لبنان.
إضافة الى الموسوعة الإنكليزيّة/ جامعة ديكن في ملبورن عن الأدباء الإثنيين في أستراليا.
- كتبه ترجمت الى عدة لغات عالميّة منها: الإنكليزيّة، الفرنسيّة، الإسبانيّة، الأورديّة، السريانيّة والفارسيّة، وهذا ما لم يحصل بهذا الكم لأيّ من أدبائنا وشّعرائنا العرب في مهجرنا هذا، وإن كان البعض منهم قد ترجمت نتاجاتهم إلى لغات غير العربيّة.
- توزع باسمه جائزة عالميّة [7] أوجدها الدكتور المرحوم عصام حدّاد وإدارة معهد الأبجديّة في مدينة جبيل اللبنانيّة.
- تبنّت وزارة التربية في ولاية NSW الأستراليّة مؤلفاته المدرسيّة، وعملت على طبعها، لا يزال العمل فيها إلى يومنا هذا في معظم المدارس العربيّة والأستراليّة.
- كُرّم كثيرًا، وحصل على جوائز أكثر، ولقب بألقاب لا حصر لها، آخرها اللقب الفخري الذي نحن بصدده الآن.
- كتبَ القصيدة المغناة للعديد من المطربين، نذكر منهم: هند جبران، ريما اليأس، وفاء صدقي، إسماعيل فاضل الذي غنى روائعه يا مصر، بغداد أنتِ حبيبتي، فافي.
- وإن كانت نسبة غير قليلة تعزو المبادرة في إنفتاح المشهد الثقافي العراقي على المشهد اللبناني والعربي في سيدني والعكس بالعكس إلى الأب يوسف جزراوي، فأنّ كاتب هذه السطور لا ينكر بأنّ اليد الطولى في هذا الانفتاح تعود إلى شربل بعيني، عقب أن عرّفه على الكثير من الأدباء والشّعراء والمثقفين اللبنانيين والعرب، ليكونا "البعيني والجزراوي" الرئة التي تنفس منها الحراك الأدبي والثقافي بين الجاليتين بالوقت الراهن في هذا البلد العزيز، فلم يغب الشّعراء والأدباء اللبنانين والعرب عن كلّ الاحتفالات التي اقامتها مؤسسة العراقيّة وآفاق ورابطة البيّاتي وغيرهم، وكذلك كانت الحال مع المثقفين العراقيين.
- أصدرَ صحيفة ورقيّة "صوت الأرز" وأسس مجلة ورقيّة والكترونيّة عرفت بمجلة "ليلى"، ضرب انتشارها الآفاق؛ حتّى أنّ نسخها الورقيّة وقعت بأيدي الشعرّاء نزار القباني ويوسف السعيد، ولعلّ أجمل ما اصدرته هو العدد الخاص عن وفاة نزار قباني.
- وليس خفيًا على أحد، أنّ شربل هاجر من لبنان في سنّ المراهقة بسبب ديوان مراهقة، ولما عاد إلى لبنان عقب غربة قسريّة دامت ما يقرب من العشرين عامًا، راح يستقصي بعين الشاعر أحوال البلاد وناسها، مقارنًا بين الماضي والحاضر، ومستذكرًا أمكنة وأصدقاء وأقارب وأيامًا سوّداء وبيّضاء وحكايات الضيعة. عاد فوجدَ شهرته قد سبقته إلى هناك، إذ وصلت الحال إنه تفاجأ بجائزة عالميّة تحمل اسمه، تصدر عن معهد الابجديّة في لبنان. وأذكر أنه روى لي هذه الواقعة، اسجلها هنا فلكلِّ فرشٍ عرشٍ:
لما وقعت على مسامعه أحاديث عن شحة وصول نشاطات وفعاليات الجالية إلى لبنان، وانتبه إلى أنّ ثمّة أمرًا ضروريًا في حياته كان قد تغافل عنه، فطوى النفس على أمرٍ ما. ولما دارت السنوات بفصولها وشهورها، قرر افتتاح مؤسسة الغربة الإعلاميّة (موقع، تلفاز، راديو) اجرى خلالها العديد من المقابلات التلفزيونيّة لمعظم الشخصيات الأدبيّة المغتربة. البعض ساهم في تعريفهم، والبعض الآخر ليسوا بحاجة إلى تعريف، لأنهم أشهر من ان يتم التعريف بهم، لكن مع "الغربة" ازدادت شهرتهم بشكلٍ أوسع. مساهمًا في نقل فعاليات الجالية إلى لبنان وغيرها من البلدان، حتّى وصل الأمر بمؤسّسة الغربة الإعلاميّة أنّ تكون حاضرة في المغرب والنمسا.
- كما كان له الجهود الحثيثة في تأسيس رابطة أحياء التراث العربي مع غيره، وليس سرًا أن شربل كان له الثقل الأكبر في الرابطة في بداياتها، إذ ساهم مع الرابطة في استقطاب شخصيات أدبيّة وثقافية للقدوم إلى سيدني والمشاركة في فعاليات الأدب المهجري، كان اخرهم الشاعرة والأديبة المصريّة فاطمة ناعوت.
- وقد يكون هو أوّل شاعر عربي مناصفة مع الشاعر يحيى السماوي قد شاركا في المربد الشّعري العراقي في العراق، قادمين من أستراليا.
- تناول العديد من الأدباء على اختلاف مللهم ونحلهم وجنسياتهم رحلته مع اليراع، فنشروا عنه أكثر من 20 كتابًا، ما خلا 11 جزءًا من موسوعة شربل بعيني بأقلامهم.
عام 1993 نشر الأديب السوري الراحل نعمان حرب، صاحب سلسلة "قبسات من الأدب المهجري" مقالاً في جريدة الثقافة السورية وعلى صفحتها الأولى، نأخذ منه ما يلي:
“ إنّني على صلة دائمة بأدباء وشعراء المهجر في كافّة أنحاء المعمورة، وأرى أن الشاعر شربل بعيني هو شاعر العصر في المغتربات، لا يوازيه أي أديب مهجري بغزارة الإنتاج الأدبي، ووضع مجهوده، وعبقريته، وماله، رهناً لإعلاء الأدب والفكر، وغرس الكلمة العربيّة في القلوب والنفوس، وبذل الذّات للحفاظ على ألق الحضارة العربيّة، وشدّ العلاقات والأواصر بين أبناء المغتربين وإخوتهم المقيمي".
الشاعر السوري مفيد نبزو فيقول في قصيدة كتبها عام 1988 ونشرها في ديوانه "شاعر أمتي شربل بعيني 2014":
"عرفتُهُ شاعراً.. غنَّى فأغنى
وهزَّ الأرضَ في شعرٍ متينِ
فَيَا أَمْواجُ هاتيهِ إِلَيْنا
وإلاَّ أَسرِعي ولَهُ خذيني
عروس الكرم قد تاقت إليهِ
تسائلني، أجاوبُها: دَعيني
أخافُ الشعر يُخجلُني فَهَيّا
أَعيني الشاعرَ المضنى أعيني
ولا تنسَيْ غداً، إِنْ عادَ، غَنِّي
فشاعرُ أُمَّتِي شربل بُعَيْني"
ومن سوريا أيضاً، أستشهد بعبارة للأديب محمد زهير الباشا صاحب كتاب "شربل بعيني ملاّح يبحث عن الله"، وجدتها في إحدى رسائله الى شربل، المنشورة في "الغربة":
".. فشعرك طاقة فنيّة ملهمة لا تلين أمام جبروت التسلّط، لأنك عشت وتعيش على درب الصفاء الثوري. فسيفك الشعري يخيف المتآمرين والمتخاذلين، وبريشة قصائدك تفضح المتحكمين برقاب الشعب".
وهل أجمل من التفاتة الشاعر السوري الدكتور اياد قحوش الى شربل في ديوانه الالكتروني "شربل بعيني شاعر الشعراء"، فلنقرأ ما كتب:
"وأنت يا شربل شاعر، ولكنك للأسف ذكي، فلا نقدر أن نجد هفوة لك مهما بحثنا. صلاتك الى أمنا فيروز مستجابة في سماء الشعراء لأنها شاعرة الغناء، ولأنك شاعر الشعراء".
ومن مصر أنتقي أبياتاً شعرية للمفتي الشيخ تاج الدين الهلالي، ألقاها في يوبيل شربل بعيني الفضي عام 1993:
"إنّ ذا يومٌ سعيد
هلا يا أحبّةَ عيني
إن ذا يومُ الوفاء
لك يا شربل بعيني
إن هنّأك الجمعُ مرّة
لأهنّأنَّكَ مرّتينِ".
بعده أنتقل الى الدكتور رفعت السعيد لأختار من بستانه هذه العبارة، التي يعلّق بها على منح المجلس القاري للجامعة اللبنانية الثقافية ـ فرع أميركا الشمالية لقب "امير الشعر في بلاد الانتشار" لشربل بعيني عام 2000 :
"لـم يضف المجلس القاري للجامعة الثقافيّة في العالـم أكثـر من أنّه اعترف بواقع واقعيّ، معترف به من جميع من يعرفون فضلك وإبداعك وشموخك".
ومن كتاب "حذار أن تصادق شربل بعيني 2014" للشاعرة فاطمة ناعوت، أختار:
"شربل بعيني شاعر وكفى! مبروك للمنصات عودتك، مبروك للعراقية والعراقيين كلماتك في آذانهم. فرحت بك الميكروفونات. وتعلّم منك الناس الشعر والكلم والحب. عش ألف عام".
أما الاعلامي اليمني أحمد الأشول فلقد كتب عام 1987 خلال وجوده في المربد العراقي هذه العبارة المنشورة في موسوعة "شربل بعيني بأقلامهم":
"شربل بعيني.. أثبت حقاً أن لونه الشعري يختلف ويتفرّد بميزة ما هنا في المربد".
ولكي ينفرد شاعر اليمن الأكبر محمد الشرفي بكلماته عن شربل بعيني نجده يجعل للقصائد أرجلاً كي تمشي، وعينين كي ترى، وأذنين كي تسمع، وهذه العبارات منشورة في كتاب "رسائل محمد الشرفي الى شربل بعيني":
"هل أقول إنك واحد ممن كنت أبحث عنهم في شعري، وأفتّش عنهم في زوايا الخيبة، وجفاف الأرض؟..
مثلك أيها الإنسان عملة نادرة، فأنت مبدع سلوكاً، ومبدع شعراً، ومبدع عملاً، وعلاقات مع الآخرين. لقد رأيت، وسمعت، وقرأت، فما أخطأت فيك عين، ولا خابت أذن، ولا كذبت قراءة.
وما كنت أحسب أن للقصائد قدمين تمشي بهما، وعينين ترى بهما، وأذنين تسمع بهما، حتى لقيتك".
عام 1988 أرسل الاستاذ المحاضر في جامعة تطوان ـ المغرب أحمد الطريبق أحمد رسالة أختار منها:
"إن الكتاب المرسل إليّ عن تجربتك، سيكون الجسر الروحي الذي سيربطني مع تجربة كل عربي في المهجر هنالك، هنالك في البعيد.
أما عن شخصك المرح، فقد افتقدناك في المربد التاسع، وهو مربد اللقاءات العربيّة على أيّ حال.. فيه من الشعر القليل، وفيه من الفوائد الكثير، وأهمها اللقاء الصادق الذي يربط بين الأدباء من أقصى الأرض إلى أدناها، ولا أدل على ذلك هذه الصداقة التي ربطتني وإياك، في صدفة من صدف الزمان".
ومن رسالة ابن السودان الدكتور تاج السر الحسن التي ارسلها إلى شربل عام 1987، أقتطف ما يلي:
"لـم أكن أصدّق عيني وأنا أتحدّث إلى واحد من أحفاد أساتذتي شعراء المهجر الكبار، حتى أتيح لي اللقاء بالشاعر الصديق شربل بعيني، فرأيت في وجهه البشوش طيبة أهل لبنان. وما أن قرأت قصيدته المربديّة، حتى أحسست فيها بصدق الشاعر، وأصالة التجربة".
أما البروفسور اليوغسلافي المستشرق رايد بوزوفيتش فلقد أدلى في المربد الشعري عام 1987 بهذه الشهادة: "شربل بعيني هو الشاعر الصارخ والمصارع من أجل الحقّ".
ومن تونس أستشهد بعبارة رائعة للأديب كمال العيادي المنشورة في كتاب "شربل بعيني الملك الأبيض" 2010:
"شكرا أيّها الملك الأبيض، وحارس حدود لبنان من نزق لبنان، أيّها الكاهن البديل، الذي يتربّع على عرش استراليا منذ عرفناه".
أحبتي القرّاء، من المؤكد أنّ كلمتي هذه عن الأستاذ شربل بعيني، ستقاس بمسطرة الإنحياز أو بمقياس المغالاة، على اعتبار أنّ كلّ تلميذ منحاز لأستاذه وكلّ صاحب يساند منجز صاحبه، لكنني حين أكتب، فإني أفعل هذا عن ضمير واتحدث عن اختبار وتجرد وموضوعيّة، إنطلاقًا من استحقاق شربل الذي كرس قلمه وأفنى عمره من أجل الأدب الأغترابي الأسترالي. وإن كنا نحيا في زمن كثر فيه المزورون والمدعون، لكنني على قناعة مطلقة أنّ الكثيرين يشيدون بجهوده ويقيمون خدماته ويثنون على أدبه ويحترمون قلعته الشّعريّة وهامته الإنسانيّة، خاصّة وأنّ البعض نشأ بين اسوارها. لهذا عكفت هنا على توثيق عادل ومنصف لوثيقة أدبيّة ثقافيّة تدعى شربل بعيني. ربّما هذا الطرح لا يهم القارئ، ولا يعود عليه بالنفع، فلن يلتفت إليه، لكني على قناعة أنّ الأيام ستمر ويصبح مادة تاريخيّة مهمة تستحق الإنتباه لها.
إنّ الجانب الشخصي للشّاعر شربل بعيني غاية في الجمال والرقي الإنساني، وعبقريّة أدبه فذة، فقد كان سّباقًا في نحت الإبداع الأدبي على صخرة المنفى. لذا فان الأدب العربي الأسترالي مدين لهذا الأديب الرائد المجدد، لأنه وضعه على الطرق الصحيحة دون أن يدعي ذلك، لأنه من طينة الزاهدين الذين لم يغرهم لمعان الذهب والدولار ولم يُبتلَ بمرض تكديسهما، ولم يعمِ بصيرته بريق الاضواء، ولم يقع في مطب العظمة أو الذاتيّة التي تجعل من صاحبها شخصية طاووسيّة لا ترى سواها، بل ظلَّ متواضعًا يحيا في صومعته البسيطة، يزهو بأدبه، زاهدًا ومتزهدًا عن متاع الدنيا. كريمًا يدرك كيف يُكرم الجميع، خاصّة الأصدقاء.
لم يمد يده لهذا وذاك مستجديًا المال والمجد والجوائز أو قراءة مقالاته أو كتبه كما يفعل أشباه الكُتّاب، بل بقي محتفظًا بقيمته التي أطلَّ بها بهالة لبنانيّة وموهبة أدبيّة ونزعة إنسانيّة واضحة.
إنّه شخص مُتأمل، له رؤية بعيدة ونظرة طويلة، يغلفهما دهاء أدبي. لا يتسرع في النقد، ولا يستسهل توجيه النصائح، غير أنه تسرع في نشر بعض مؤلفاته دون ان تختمر بشكلٍ جيد في فرن الزمن. ولعلّ جريمته الوحيدة هي رفضه دعوات للمشاركة في أكثر من مهرجان شّعري أكان في العراق [8] أو اليمن أو مصر أو تونس أو دبي أو الأردن.
لسانه لا يُصدّر إلّا كلمات المحبة والثناء، أما قلمه لا يعرف سوى التشجيع. لا ينظر إلى النقطة السوداء في اللوحة البيضاء، بل يحدق في النقطة البيضاء في اللوحة السوداء. لا يستهويه التهوين ولا التهويل، واقعي حتّى النخاع، منصف وموضوعي إلى حدٍ كبير.
وجَدَ في القول المأثور "اتقِ شرّ من أحسنت إليه" صدى بنسبة كبيرة في الوجوه التي عرفها، فمعظم من مدّ لهم يد العون وانتشلهم من واقعٍ مرير وعلمهم ما لا يعلمون وشرع لهم أبواب النجاح والإنتشار، تسلقوا على اكتافه بل قلّ على راسه كاللبلاب، ثمَّ انقلبوا عليه مفضلين مصالحهم في زمن الغدر والوصوليّة، زمن افتقدنا فيه النقاء ومبدأ الوفاء، البعض منهم عاد إلى جادة الوفاء والبعض الآخر لا يزال يجافي الحقيقة، لهذا لم ولن يتصور يومًا أنَّ السعادة تُبنى والخير يأتي على حساب الغير. فآثر الانعزال وقلة الاختلاط في السنوات الأخيرة، وأصبح فطنًا جدًا في إنتقاء الأصدقاء.
ونستشهد هنا بمقطع شّعري له، يؤكد صحة قولنا هذا، كان قد اثنى عليه (المقطع) المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي في رسالته إلى شربل المؤرخة: مدريد 14/4/1988:
"سكران وحدي بغربتي سكران
ومسكّر بْوابي بوجّ الناس
بْحاكي كْراسي البيت والحيطان
وبْصير إتخانق أنا والكأس".
يقرف شربل التضليل، ويحارب النمطيّة والعبثيّة. يمقت الإزدواجيّة والمنافسات اللئيمة، يبغض البخل في كلّ شيء، تفرحه نجاحات الناس. ليس له ذات متضخمة، لا يُحدّث الناس بترفع ولا ينظر إلى زملائه من برج الـ أنا، لم ولن يدعي يومًا أنه أفضل من الآخرين.
آمن منذ مطلع شبابه أنَّ بناء الذات لا يأتي على انقاض الآخر، وأنَّ النجاحات لا تتحقق بالدهس على الآخرين أو بالتقليل من شأن منجزاتهم أو من خلال وخز خنجر الغدر في خاصرتهم، بل تتحقق معهم.
ولأننا شعوبٌ (باستثناء البعض) تمتدح الآخر في الوجه وفي الظهر تنتف ريشه، اعتادت أن تُصفق للمبدع بيدٍ واحدة، تجيد اجهاض الموهبة في احشاء اصحابها أو قتل الإبداع وهو في مهده!. إلّا أنّ الحياة عند إبن مجدليا رغم كلّ المتاعب والجلطات النفسية التي تعرض لها في رحلة الأدب التي ناهزت النصف قرن، لم تزل شجرة مثمرة طيبة، تهب ثمارها للناس، يرميه الناس بالحجر فيرميهم بيانع الثمر.
ولقد تبين لي من إحتكاكي ومتابعتي لسلوكه، أنّه ظل ثابتًا وصادقًا مع الذات والآخر في زمن سقط فيه الكثيرون، حتّى أنّ البعض غيّر مواقفه أكثر من مرّة، بعد أنّ سار في كلّ الطرق الملتوية ليقابل القبلات بالطعنات، والبعض الآخر فضل شهرة سهلة صنعها لنفسه، وفرتها له مواقف ذليلة، وسلوكيات مريضة، ينفر منها القريب والبعيد.
وليس من قبيل المغالاة إن قلت: إنّ المكتبة العربية لا سيّما في أستراليا كانت ستفتقد جزءًا من عشاقها لو لم يجذبهم إليها صاحبنا بمؤلفاته التي يقع في شباكها كلّ من يودّ تأمّل الحياة بواقعية ونظرة إنسانيّة ورؤيّة جماليّة.
خاتمة مطافي:
بعد كلّ هذا ألا يحق لشربل بعيني أن يحمل لقب "عميد الأدب المهجري في أستراليا"؟. وأعود إلى نقطة البداية: لكلّ خيمة وتد، ولكلّ أدب عميد.
فلِمَ لا يا شربل؟!.
إذ ان المسألة ليست في جوهرها لقبًا شرفيًا، لا يغني ولا يسمن أحدًا، بقدر ما هي تكريس لتلك الخبرة الأدبيّة الطويلة في توحيد كلمة ونشاط الأدب الإغترابي تحت مرجعية أدبيّة، فما المانع من أن تكون انت يا شربل قبطانًا لسفينة الأدب المهجري الأسترالي؟. فأنتَ كالفنار تهتدي به البواخر وهي تمخر عُباب البحار في خضمِّها.
عني أنا شخصيًا أجد شربل بعيني جديرًا بهذه (الرسالة - المسؤولية) ويستحقها قلبًا وقالبًا. وأنتم ما رأيكم؟. أترك الجواب لكم.
ليحفظه الرب القدير شّاعرًا إنسانيًا أوْلمَ على شرف الكلمة الحرّة البنّاءة موائدَ أدبيّة لا تحصى. وليستمر قلمه شجرة تتهدل منها الثمار الوافرة في بستان الكلمة وحقل الشّعر[9] .
ـــــــ
[1] تعود الآن صحيفة التلغراف إلى السيّد والي وهبة، ويرأس تحريرها الزميل الأستاذ أنطوان القزّي، وتصدر حسب علمي 5 ايام في الاسبوع، ما عدا يومي السبت والأحد.
[2] تغير أسمها إلى صحيفة " المستقبل"، وهي تعود إلى الزميل الإعلامي جوزيف خوري، وتصدر كلّ يوم اربعاء وسبت.
[3] حدثني أحدهم عن أنّ الروائي الأسترالي الكبير، صاحب الأصول اللبنانية ديفيد معلوف سبق شربل بهذا المضمار، وحين بحثت وتحققت وجدت أنه طبع أوّل رواياته المعنونة "جونو" في استراليا باللغة الإنكليزيّة عام 1975. إنّ إشارتي اعلاه عن كتابٍ كُتب وطبع باللغة العربية.
[4] قد لا يختلف المتابعون والمنصفون بأنّ حركة أدبيّة ثقافيّة عراقيّة توهجت في السنوات الأخيرة، أنعشت المشهد الثقافي الأغترابي في سيدني.
[5] رسالة مؤرخة من مدريد بتاريخ 29/9/1988.
[6] ربّما يعترض البعض ويقول: إنّ شربل بعيني شاعر كمي، عددي، ما كاد القارئ ينتهي من مطالعة كتاب له، حتّى أطلّ عليه بكتابٍ آخر. اوافقهم الرأي وأعطيهم شيئًا من الحق، ولكن من يتعرف إلى شربل ويواكب نتاجه، سيكتشف إنّه شاعر نوعي من طراز فريد، موهبته فياضة، تتولد القصيدة عنده بشكلٍ يومي، يمطر من سمائه الشعريّة دُرر الكلام. فكيف لا يكون غزير الانتاج؟!.
[7] يراد من مفهوم العالميّة، شيوعها ومنحها للمستحقين في أكثر من دولة وعلى شخصياتٍ متنوعة من جنسيات متعددة.
[8] في مهرجان المربد التاسع
[9] معظم المراجع اليوم تكون إلكترونية، وما على الباحث سوى وضع العنوان في محرك البحث "غوغل" ليصل الى المرجع، وهذا ما حصل في العديد من الاستشهادات في هذه الدراسة.
**
إنّ أدب المنفى بات مقرونًا بالرابطة القلميّة، التي تعود نشأتها إلى عام 1920 في نيويورك. أو بالعصبة الأندلسيّة في ساون باولو البرازيلية المقامة في مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم، وبذكر العصبة يتوافد إلى الذهن ميشيل نعمان معلوف، والشاعر القروي رشيد سليم الخوري الذي ترأسها عام 1958. من دون الالتفات إلى الأدب المهجري في أستراليا.
من المؤكد أنّ أدبًا مهجريًا وكتابات عربية ظهرت في المنفى الأمريكي، حيث يذكر لطفي حدّاد في مقاله "خواطر في الأدب المهجري المعاصر"، إنّ "أول صحيفة عربية ظهرت في المهجر الأمريكي كانت "كوكب أمريكا" عام 1892، أصدرها إبراهيم ونجيب عربيلي". ولكنني مع الرأي السائد والقائل بأنّ الأدب العربي في أمريكا تبلور وعُرف مع نشوء الرابطة القلمية.
وإذا عرجنا نحو الأدب المهجري في بلاد الاقيانوس، فلا بُدّ لنا من العودة إلى ما ذهب إليه د. بول طبر في كتابه المطبوع عن الجاليات العربية في أستراليا، وذلك لمعرفة الاعداد المهاجرة من البلدان الشرق أوسطية....، فنقرأ: "تشير الإحصائيات المتوفرة للباحثين إلى أنه مع نهاية القرن التاسع عشر، بلغ عدد اللبنانيين المولودين في لبنان 1750 شخصًا، كانوا موزعين على الولايات الاسترالية..." (ص54). ويضيف في ص (56) من الكتاب: "ومع حلول عام 1947، وصل عدد المهاجرين اللبنانيين، ومن ضمنهم الجيل الثاني والجيل الثالث إلى ما يقرب الـ7000 شخص". "وتشير الإحصائيات الرسمية إلى إن المعدل السنوي بين عامي 1947 و1961 كان 400 شخص، وارتفع المعدل إلى 800 شخص خلال عامي 1961 و1966، ليعود ويرتفع بشكل ملحوظ ما بين عامي 1966 و1971 ويصبح 3000 شخص" (ص60).
"وبالمقارنة باللبنانيين، احتل المصريون المرتبة الثانية بالنسبة إلى عدد المهاجرين العرب إلى أستراليا" (ص61).
ولا نعلم متى بدأت الهجرة العراقيّة إلى هذه البلاد العزيزة، لكن الدكتور بول طبر يفيدنا في كتابه المذكور آنفًا أنّ عددهم في عام 1976 لم يتجاوز 2273 شخصًا" (ص 67). ومن المؤكد أنّ العدد ارتفع بصورة واضحة بعد عامي 1991 و2003.
وأنقل هنا للقرّاء نص ما كتبته الكاتبة نجاة فخري مرسي في دراستها الموسومة: "حول نشأة الأدب العربي المهجري في أستراليا" والمنشورة في موقعها الالكتروني:
"يعود تاريخ الهجرة العربية إلى عام 1860م، إلا أن الصحافة العربية قد بدأت بوادرها في الظهور عام 1957م، وهو تاريخ صدور أول نشرة نصف شهرية اسمها "الوطن العربي" ولم تستمر أكثر من عام. وفي العام 1965م صدرت جريدة “القمر” النصف شهرية ثم جريدة ”الهدف” الأسبوعية. وفي أواخر الستينات صدرت صحيفة “صوت المغترب” ثم غابت ثم عادت، وكانت عودتها بداية انتظام الصحف اللبنانية والعربية، تبعتها جريدة “التلغراف” كل خميس. وفي عام 1975م، أصبحت التلغراف ملكاً لأربعة شركاء هم: بطرس عنداري، إدوارد عبيد، جورج جبور، وجوزيف خوري” وما زالت تصدر حتى الآن ثلاث مرات في الأسبوع[1]. وفي العام 1977م، تم تأسيس جريدة “النهار” التي ما زالت تصدر حتى الآن مرتين في الأسبوع. وفي العام 1986م، صدرت جريدة “البيرق[2]” التي تصدر حالياً ثلاث مرات في الأسبوع. وصحفنا المهجرية اليوم تصدر جميعها بانتظام، وبدأت تستعمل التكنولوجيا الحديثة التي تُمكنها من نسخ نصف موادها عن الصحف العربية، حتى أنها تستعمل نفس أسماء الصحف العربية في الوطن الأم.
يقول تقرير سليم الزبال في مركزه للمعلومات، إن مائة جريدة ومجلة عربية صدرت في أستراليا منذ عام 1957م، حتى صدور مركزه للمعلومات عام 1989م، “منها حوالي 36 مجلة”. واختصاراً للوقت، سأكتفي بإدراج أسماء أوائل المجلات العربية التي صدرت في أستراليا.
أوائل المجلات العربية في أستراليا:
يقول هذا التقرير المعلوماتي إن أول مجلة صدرت في مدينة ملبورن عام 1963م كانت مجلة “النور” واستمرت تصدر حتى عام 1867م، شهرية وأحياناً نصف شهرية. وإن مجلة “ المنارة” كانت أول مجلة دينية صدرت عن اتحاد المجالس الاسلامية في أستراليا عام 1964م، وكانت تصدر أربع مرات في السنة، ثم أصبحت تصدر مرتين سنوياً، وتحتوي على مقالات بالعربية والانكليزية. وإن مجلة “الرسالة“ كانت أول مجلة سياسية اجتماعية، صدرت في ملبورن عام 1975م، شهرية استمرت لمدة عامين. وإن مجلة “الثقافة” كانت أول مجلة حزبية شهرية تصدر في أستراليا عام 1975م، استمرت لعدة سنوات. وإن مجلة “الاقباط” كانت أول مجلة دينية تصدر عن الهيئة القبطية الأسترالية عام 1977م، وتوقفت بعد إصدار عددها الثاني.
وهكذا استمرت المجلات العربية بالصدور، منها من يستمر، ومنها من يتوقف بسرعة تدل على أن الأعباء المادية، وضآلة التوزيع هما السبب في هذه المعاناة. ومع ذلك ما زلنا نقرأ مجلات التسعينيات، حتى صدور مجلة “الجذور” في ملبورن التي نتمنى لها قوة الاستمرار.
هكذا، وبعد هذا العرض المختصر، نجد بل ونستنتج أن الصحافة العربية كانت وما زالت تصر على تأكيد وجودها، ولو بشق الأنفس، بل وما زالت الدليل الصارخ على رغبة المهاجر اللبناني خاصة، والعربي عامة، في التمسك بلغته وتراثه،“ وكما نعلم أن أكثر مشاريع الصحف كانت تجارية وثقافية معاً”.
رابطة إحياء التراث العربي:
ننتقل الآن للحديث عن هذا الحدث الثقافي العربي في المغترب الأسترالي.
تأسست رابطة إحياء التراث العربي في سدني عام 1981م ”في سنة جبران العالمية”، وبدأت نشاطها تحت اسم ”تجمع أصدقاء جبران” وفي الحفل الذي أحياه التجمع للمشاركة بتكريم جبران، أعلن عن إنشاء جائزة وقدرها “500 دولار” تُمنح لأفضل بحث أو دراسة تتنأول سيرة جبران وأدبه، وأن تحمل هذه الجائزة اسم ”جبران خليل جبران” وكما قرر التجمع أن يتخذ اسم ”رابطة إحياء التراث العربي في أستراليا” وحدد أهدافه في دستور، وكان من بين أهدافه إحياء التراث العربي في أستراليا. وفي عام 1984م، احتفلت الرابطة بأول جائزة تحمل اسم “جبران خليل جبران” وكان الحفل حافلا بالمؤيدين والخطباء، حيث فازت السيدّة وداد الياس بالجائزة الأولى، وفاز السيّد إيلي ناصيف بالجائزة الثانية، وهكذا استمرت الرابطة باقامة الندوات وتقديم الدعوات ومنح جائزتها الجبرانية لمن تقرر لجنتها أنه يستحقها، إلى أن سجلت نجاحها بعد أن فردت أجنحتها إلى الأوطان العربية، وإلى المغتربات والمهاجر العربية الاخرى".
وجبّ عليَّ هنا أن أذكر شهادة للتاريخ، الذي يعلم المشتغلون به انه ليس لعبة نلهو بها، أو نكتبه وفقًا لاهوائنا ومصالحنا، فالتاريخ احداث لا يجب العبث بها أو تطويع سياق وقعائعه لخدمة دراسة ما أو فئة معينة من الناس، أقول هذا لكي أوضح إنّ تلك المسابقة الجبرانية اليتيمة لم تكمل سيرها، بل توقفت لأكثر من ثلاث سنوات، إلى أن التقى شاعرنا البعيني عام 1985 برئيس الرابطة آنذاك الاستاذ كامل المر وأقنعه بإيجاد جائزة عالمية ثابتة باسم الفيلسوف اللبناني جبران، وبعد الموافقة قام شربل بتصميم براءة الجائزة، كما صمم الميدالية الاستاذ صبري رمضان. وكان من جميل الصدف، أنّ أوّل من فاز بها عام 1987 هو الأستاذ شربل بعيني.
وإليكم بعض ما جاء في كتاب "أجمل ما قيل بأدب شربل بعيني" في فصل "جوائز تقديرية"، لمؤلفه المهندس السوري المرحوم رفيق غنّوم عن الجائزة:
"عام 1987، منحت رابطة إحياء التراث العربي جائزة جبران العالميّة للشاعر شربل بعيني، وكان من أوائل الذين فازوا بها.. وها أنا أنقل من أرشيفه قصّة فوزه بالجائزة، كما دوّنها بقلمه:"سنة 1985، كنت أطبع ديوان الغربة الطويلة في مطبعة الثقافة التي يملكها كامل المر،
فدار بيني وبينه حديث غلّفه بخيبة أمله بمعظم الذين تعامل معهم في الرابطة، وأنهم لا يصلحون لشيء، وأن الرابطة تراوح مكانها، فقلت له:
ـ لماذا، يا كامل، لا تنشىء الرابطة جائزة أدبيّة تحمل اسمها إلى كافّة أقطار العالـم؟
فأجاب:
ـ قديماً أجرينا مباراة باسم "جبران"، كانت جائزتها من نصيب السيّدة وداد الياس والأستاذ إيلي ناصيف.
فقلت:
ـ عظيم.. فليكن اسم الجائزة "جائزة جبران".
قال:
ـ وكيف سيتمّ هذا؟
قلت:
ـ أنا أصمّم البراءة وأنت تطبعها.. ويقوم صبري رمضان بتصميم الميداليّة.
وهكذا صار، ولكن المفاجأة الكبرى كانت عندما منحتني الرابطة الجائزة، ولـم أكن قد انتسبت إليها بعد. فقلت لكامل، واللـه يشهد على ذلك:
ـ يا كامل.. أنا لـم أصمّم الجائزة، ولـم أطلب منك إنشاءها كي أحصل عليها.
فقال:
ـ لا أحد غيرك يستأهلها.. أرجوك أن لا تفتعل خضّات في بداية توزيع جائزة أنت تعبت وسهرت من أجلها.
وبعد عودتي من المربد الشعري في بغداد، علّقت الرابطة أوّل جائزة جبرانيّة على صدري.."
وعن نفس الموضوع يفيدنا الإعلامي المخضرم أكرم برجس المغوش في مقاله الموسوم "الشاعر شربل بعيني مؤسس ومصمم جائزة جبران للأدب العربي" المنشور في موسوعة "شربل بعيني بأقلامهم":
"عندما أسسنا رابطة احياء التراث العربي انتخبت سكرتيراً لها فاقترح علينا الشاعر والاديب المعروف شربل بعيني توزيع جائزة كل عام باسم الاديب العالمي جبران خليل جبران فأخذنا بالاقتراح وكان المصمم والمؤسس والممول لهذه الجائزة المعنوية الشاعر الاديب شربل بعيني.
وفي عام (1987) جرى أول احتفال لتوزيع الجائزة التي قدمها سفير لبنان لدى استراليا ونيوزلندا الدكتور الاديب لطيف ابو الحسن، نالها الشاعر شربل بعيني والدكتورة الاديبة سمر العطار والاديب فؤاد نمور عن الاديبة انجال عون وسكرتير رابطة احياء التراث العربي الاعلامي اكرم برجس المغّوش عن الاديب الكبير نعمان حرب صاحب المؤلفات العديدة عن ادباء المهجر وابطال التاريخ العربي النزيه والمشرف وخاصة في محافظة السويداء جبل القائد العظيم سلطان باشا الاطرش .
وامانة للتاريخ يهمنا ان نذكر ان جسر التواصل الذي بنيته مع راعي الادب المهجري الاستاذ نعمان حرب وجريدة الثقافة السورية وادباء المهجر كان خير من ادى الرسالة وعمق المحبة الشاعر بعيني لان المحبة رسالة والله محبة. .
وامانة للتاريخ يهمنا ايضاً ان نؤكد ان المؤسس لهذه الجائزة هو المبدع شربل بعيني صاحب المؤلفات العديدة في الشعر والنثر والقصة والمسرح والادب واكثر المؤلفات التي كتبت عنه والاهم انه قدم منزله في مسقط رأسه هدية لبلديتها حيث سيحولونه متحف الشاعر شربل بعيني مثل دارته التي كانت وما زالت مشرعة الابواب حسب وصية والديه رحمهما الله بعيداً عن السياسة الهدامة....."
ما أرمي الوصول إليه من هذه الاستشهادات إنّ أدبًا مهجريًا كان لا بُدّ وأن تأسس قبل وصول "البعيني" إلى هذه القارة المترامية الاطراف، من خلال هجرة رعيل من المهاجرين العرب إليها، فمن المؤكد أنّ هناك من سبق شربل بعيني من الأدباء والشّعراء اللبنانيين والعرب إلى هنا، فلا يختلف إثنان على أنّ هناك من أسس صحافة عربية وجمعيات أدبيّة مهجريّة، وهناك من طبع كتبه في لبنان أو مصر أو سورية....ووزعها في أستراليا كالشاعرين اللبنانيين عصام ملكي "عذاب الحب 1973" وسمعان زعيتر "لبنان 1974"، ولكن شربل كان السبّاق في طبع أوّل كتاب عربي في المغترب الأسترالي وهو "مجانين" عام 1976[3]، ووزعه في أستراليا ولبنان وسائر الدول العربية. ويخبرنا شربل: إنّ عمال المطبعة لم يفهموا أرقام الكتاب العربية، فجاء جمع صفحاته سيئًا للغاية، فاختلط حابل القصائد بنابلها، فما كان منه إلّا أن أطلع صاحب المطبعة على "الكارثة"، فتفهّم الأمر وأعاد طباعة الكتاب من جديد، بعد أن سمح لشربل بالبقاء في المطبعة طوال مدة طبع وجمع الكتاب.
حمل شربل حقائب هجرته إلى أستراليا عام 1971 قادمًا من تاج الشرق لبنان، ولحظة وصوله لم تكن الأرض معبدة أمامه ولم تكن مفروشة لا بالورد ولا بالارز، بل كانت مليئة بالصعاب الحياتيّة، ولكن اصراره على صنع الذات، جعله يتغلب على قساوة الحياة والكثير من المعوقات، ورويدًا رويدًا استطاع الوصول إلى ما وصل.
كان شربل يحمل موهبة أدبيّة واعدة في بلده، ولأن الموهبة لا بُدّ من أن تكشف عن ذاتها، تراه أشرق شعرًا ونثرًا وصحافةً وخلقًا. ازهرت موهبته في مجدليا، لكنها اينعت وتدلت قطوفها الناضجة في سيدني؛ إذ صدر له في لبنان ديوانان شعريان: "مراهقة" 1968، والذي ستحتفل الجالية بيوبيله الذهبي عام 2018 بإذن الله، بعد أن احتفلت بيوبيله الفضي عام 1993. و "قصائد مبعثرة عن لبنان والثورة" عام 1970. لتكرّ بعدها مسبحة الكتب، فنَشَرَ حتّى الآن أكثر 43 مجموعة شعريّة ما عدا أعماله الكاملة، وكتبه المدرسيّة التي لم تزل تُدرّس حتّى الآن في معظم المدارس العربيّة والأستراليّة التي دخلها برنامج تعليم اللغة العربيّة.
ولأن أستراليا وطن للمنفيين والمهاجرين، نلقى حكومتها تشجع الكتابة مهما كانت لغتها، وتدعم تأسيس الروابط والجمعيات والمنتديات الثقافيّة بلغة اعضائها، إثراءً للثقافة الأستراليّة المتنوعة والمتعددة، لهذا عقب استقراره، وجدَ شربل الظروف مهيأة أمامه في المجتمع الجديد للانخراط في الحراك الأدبي بعد أن بسط جناحيه في فضاء التجارة كتاجرٍ، فساهم على نحوٍ فعّال مع من سبقوه في تبلور حركة أدبيّة مهجريّة، لعبت دورًا في عدم جرف المهاجرين الشرق أوسطين إلى امواج وتيارات الهجرة، كما جرفت غيرهم من قوافل المهاجرين من بلدانٍ شتى، من خلال نشر اللغة العربية بشقيها الفصيح والعاميّ، علاوة على الإتشاح بالروح الوطنيّة والتمسك بثقافة البلد الأم. ويظهر جليًا في أدب شربل الأغترابي تلك النزعة الوطنيّة التي لم يستطع منشار الغربة أن يشطرها، فأصبحت كلمته بمساحة الوطن.
صحيح ان الوطن لفظه كما لفظ غيره لأسباب ليست كلها سواء، لكنه رفض أن يمحو سجل لبنانيته بمنشفة مبللة بخطإ أو خطأين أو حتّى ثلاثة من ساسة العصر في لبنان الموجوع!، وامتنع عن البكاء على الأطلال والجلوس في جبال الماضي، فرسم بالكلمة لبنانًا جديدًا فاتنًا على بياضات الورق، أكثر جمالاً وسلامًا من لبنان الذي يشاهده في التلفاز أو الذي يقرأ عنه في الصحف خلف قضبان الغربة.
ولكي أكون موضوعيًا ودقيقًا في طرحي، اذكر هنا: إنّ اللبنانيين لهم اليد الطولى في تبلور وبروز حركة أدبيّة واضحة المعالم على سطح الاغتراب الأسترالي [4]، كان لشربل بعيني بصمات ناصعة في توضيحها، وجهودًا حثيثة في الرفع من لغة الضاد، ودور كبير في هذه الحركة وجعلها أدبًا مهجريًا واسع الانتشار، خاصّة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم، من خلال رابطة احياء التراث العربي، وعَبرَ كم هائل من منشورات أدبيّة وصحفيّة، فضلاً عن دعوته نخبة من الأدباء العرب من خارج أستراليا للمشاركة في مهرجانات الأدب المحليّة، للتعرف بقدرٍ أكبر على الأدب المهجري في بلاد الأوز. كما شكلت مراسلاته مع نزار قباني والأب يوسف السعيد، وعبد الوهاب البيّاتي، والمرحومين عصام حدّاد ومحمد الشرفي، وايضاً مع محمد زهير الباشا وفاطمة ناعوت والدكتور رفعت السعيد وصبري يوسف وغيرهم دائرة الضوء المسلط والكاشف على الحركة الثقافيّة في أستراليا.
ولأن التاريخ يصنعه الشجعان المبدعون، وما شربل، سوى أديب لبناني مبدع، استطاع بنور قصيدته أن يضيء ليل المنفى ليسجل تاريخًا، فشيد مع غيره عمارة الأدب العربي المهجري على تراب الجزيرة الأستراليّة العالقة في كعب الدنيا. وهأنذا اسوق نص الرسالة التي ارسلها الشاعر العراقي الراحل عبد الوهاب البيّاتي إلى شربل عام 1988 فهي تؤكد تلك الحقيقة:
"... وقد ذكرت لك في رسالتي أن أحد الأصدقاء قد كتب مقالة عن هذه الندوة، وقد كتبها فعلاً ونشرت في الطبعة الدولية لجريدة (القبس) الكويتية، وهي من أهم الصحف العربية، وتوزع يومياً في كافة أرجاء الوطن العربي والولايات الأمريكية وكندا وكافة الأقطار الأوروبية. في طي رسالتي هذه أرسل إليك نسختين أو صورتين من مقالة الصديق هذه وعن طريق نشر هذه المقالة يكون القارئ العربي في كل مكان من العالم قد اطلع ولو بشكل مختصر على نشاطكم الجمّ وعلى ما تقومون به من خدمة جلّى للثقافة العربية مع خالص الود والاحترام..." [5]
لقد قرأه الناس في السبعينيات بلبنان، وفي أستراليا أدهشتهم همته وحرصه على الأدب والأدباء، أضف على ذلك غزارة قلمه السّيال في الثمانينيات والتسعينيات على صفحات الصحف والمجلات والكتب والدواوين، أما صوته فقد رنمَ الشعر في محافل يطيل الحديث عنها، كما أن كلماته ازدادت ضياءً في الألف الثالث.
اقام في بيته عدد كبير من الأدباء والشّعراء والصحفيين من خارج أستراليا، وفي هذا البيت أيضًا اقيمت اماسي شّعريّة كثيرة. ولا ننسى مساعدته الماديّة أو الطباعيّة وتشجيعه المعنوي وتحفيزه الأدبي لغيره من كُتّاب الحرف في طبع نتاجاتهم الأدبيّة في أستراليا.
فلا أجد غرابة في الأمر حين أطلق نخبة من حمَلة القلم لقب عميد الأدب العربي في أستراليا على الشاعر شربل بعيني، ومن هؤلاءِ:
الصحافي جوزيف أبو ملحم، الكاتب موسى مرعي، الكاتب سركيس كرم، الكاتب أنطوني ولسن، الشاعر سايد مخايل، شاعر المهجر الأكبر يحيى السماوي، الأب يوسف جزراوي، الشاعر حيدر كريم، الشاعر أحمد الياسري في أمسية العراقيّة 2015، الشاعر المندائي بنان في أمسية العراقية 8 اذار 2012، الفنان منير العبيدي حين طلب من الأستاذ شربل تقديم الجائزة التي منحتها مؤسّسة آفاق للدكتور خلف المالكي، الإعلاميّة إلهام حافظ لحظة أثنت عليه عقب نبذة الشاعر الياسري في أمسية العراقيّة عام 2015.
وبالعودة إلى اضابير الذّاكرة، فإنّني أجد أنّ الأستاذ شربل سبق وأن رفض هذا اللقب في مقالٍ كان قد كتبه على صفحته في موقع الغربة، وفي أمسيّةٍ ثقافيّةٍ زاملته فيها، ودعوني أبدا من الثانية: حدث في إحدى الأماسي الثقافيّة التي اقامتها رابطة البيّاتي الشّعريّة أنّ عريف الحفل وهو الشّاعر العراقي حيدر كريم قدّم الشّاعر اللبناني شربل بعيني كالاتي: الآن كلمة شّاعر الغربة الطويلة، الكبير شربل بعيني، عميد الأدب العربي المهجري في استراليا. وأذكر أن الأستاذ شربل همس في اذني قائلاً: "أنا لست عميدًا، يا أبانا هناك من هم أجدر مني بهذا اللقب". ولكَم كبرَ الكبير شربل يومذاك في عيني كثيرًا لتواضعه الجمّ، فالكبار يبقون كبارًا وإن كمّوا افواههم تواضعًا عن البوح بمنجزاتهم، بل إنّ تواضعهم يزيدهم كبرًا واجلالاً ورقيًا، والصغار يبقون صغارًا مهما ثرثروا في ادعاء ما ليس لهم، بل إنّ ثرثرتهم ونفخ ذاتهم المتورمة الكاذبة تزيدهم صغرًا، حتّى يختفوا عن انظار الإبداع ويمحوا من سجلات الخلود.
وفي مقالٍ كتبه شربل بعيني في صفحته بمجلة "الغربة" بعنوان "أنا لست عميداً للأدب المهجري"، بعد أن لقبّه بعض الادباء والشّعراء بذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل شربل بعيني جدير بحمل هذا اللقب، بعد أكثر من ثمانية وأربعين سنة من العطاء الأدبي في الوطن والمهجر؟. وقبل أن أجيب على هذا السؤال إليكم ما كتب:
"منذ عدة أيام اتصل بي أخي وصديقي ورفيق غربتي الاستاذ جوزاف بو ملحم، ليطمئن على صحتي، وهل تغلبت على "الانفلونزا" أم لا؟ وكم كانت دهشتي عظيمة عندما غيّر مجرى الحديث وقال:
ـ أتعرف يا شربل.. لقد آن الأوان كي نعلنك عميداً للأدب المهجري.
فأجبته وأنا أضحك:
ـ وهل أنا طه حسين؟
فقال:
ـ ولكنك أكثر من ضحوا في سبيل أدبنا المهجري، وتشجيع أقلامه.
وجوزاف بو ملحم، لمن لا يعرفه، هو خريج الجامعة اللبنانية ـ كلية الاعلام، ومجاز بالصحافة ومراسلة الوكالات الاجنبية. والناشر لجريدة "صدى لبنان" التي حضنت الأدب المهجري وأعطته سنوات ذهبية، كما أنه صاحب كتاب "الثورة في شعر شربل بعيني"، وحائز على جائزة جبران العالمية.
أحببت أن أسجل هذه الحادثة، بعد أن تفضّل علي الأستاذ موسى مرعي بمقال رائع، جاء رداً على ما كتبه الاستاذ سركيس كرم حول "خواطري"، ومن غريب الصدف أنه كتب في نهايته: "لقد تجرأت ووهبته من نفسي لقب "عميدنا" دون ان استأذن احدا".
هنا لعب الفأر في عبّي، وقلت في سرّي:
ـ لا بدّ من أن يكون قد حصل اتصال بين جوزاف بو ملحم وموسى مرعي، وإلا كيف أعلنني موسى عميداً للأدب المهجري بعد يومين من مداعبة جوزاف لي.
لم أنم تلك الليلة، ورحت أترقب الصباح بعيون جامدة، كي اتصل بجوزاف وأسأله إن كان يعرف شخصاً اسمه موسى مرعي، ولكم كانت دهشتي عظيمة حين أنكر معرفته به، فصحت بأعلى صوتي:
ولكنه أعلنني عميداً للأدب المهجري بعد يومين من إعلانك أنت، فكيف حصل هذا؟.
ضحك وقال:
- إنها صدفة غريبة حقاً.. والآن بإمكانك أن تقول أنني السبّاق شفهياً، وموسى مرعي السبّاق كتابياً بإعلانك عميداً للأدب المهجري.
والأغرب من ذلك أن شخصاً ثالثاً دخل على خط "العمدة" هو الاستاذ سركيس كرم، فلقد كتب تعليقاً على مقال موسى يقول فيه: "شكرا استاذ موسى مرعي على كلمتك عن الاديب شربل بعيني، وأضم صوتي الى صوتك وصوت كل من يثمّن الأدب الراقي. اما بالنسبة الى اطلاقك لقب "عميدنا" على الاستاذ شربل فهي مبادرة في محلها. هنيئا لنا بوجود حاملي راية الفكر في عالم الأنتشار والعاملين على إبراز صورتنا الحضارية وفي مقدمتهم شربل بعيني.. وهنيئاً لنا ب"غربة" حولها الى واحة من العطاء الثقافي المتجدد ومحطة لقاء لذوي الحيوية الانسانية البناءة والساعية دوماً الى الأفضل"..
وبدلاً من أن يرحم ضعفي، ويشد أزري، انضم الكاتب المصري أنطوني ولسن الى الشلة الثلاثية، فكتب يقول: "إلى عميد الأدب العربي في أستراليا الأستاذ شربل بعيني نقول: انه لشرف عظيم أن يختارك أدباء ومفكرون وأصحاب قلم وفكر متطور لتكون عميدا للأدب العربي في المهجر أستراليا. من رشحوك بالكلمة الشفهية أو بالكلمة المكتوبة، ما هم إلا عقلاء الأدب والفكر ولهم بصيرة أعمق من غيرهم، ورؤية أبعد منا جميعا. فقد رأوا ببصيرتهم ورؤيتهم أنه قد حان الوقت ليكون للأدب والأدباء عميد يثبت للعالم أن الأدب في المهجر أستراليا يفوق الأدب في بلادنا الأم. لأنه لم يتدنس بالمحسوبية أو بالتملق لرئيس أو حاكم. إنما نبع من فكر أدباء ومفكرين لهم قاماتهم ويعرفون حق المعرفة معنى أن يلقب أحدهم "شربل" بعميد الأدب. هنيئا لنا ولكل أديب أو مفكر بوجود من يمكننا أن نقول عنه عميد الأدب العربي".
ولكي يصبح عدد الأصدقاء مطابقاً لعدد أصابع اليد الواحدة، وصلتني من الشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي هذه الكلمات الرائعة: "لو لم يجداك جديرا بذلك لما توافق رأياهما على اصطفائك عميدا ـ وها أنا أضم صوتي الى صوتيهما يا صديقي ليس لأنك شاعر كبير وذائد كبير عن الكرامة المتأصّلة في الإنسان فحسب، إنما ولأنك كنت أسبق منا جميعا في رفع راية المحبة العربية والأدب العربي في القارة الأسترالية".
والظاهر أن أصابع اليد الواحدة لم تعد تكفي لإحصاء المحبين، فلقد وصلني من الشاعر والاعلامي الاستاذ سايد مخايل هذا التعليق المشجع:
"العزيز شربل مهما عظمت الألقاب على أهميتها لا ترتقي الى روعة قصيدة واحدة من جرح قلبك أو الى مقالة واحدة من صدق قلمك.
ومهما عظمت القصيدة والمقالة لا قيمة لها من دون قلبك الأبيض الذي لا يضمر إلا المحبة للآخر. لذلك انت العميد للأدب العربي المهجري والقصيدة الرائعة والمقالة الصادقة والاهم عميد للقلوب الصافية الناصعة البياض".
كلمات أصدقائي الستة جوزاف وموسى وسركيس وانطوني ويحيى وسايد المفعمة بالمحبة، بدلاً من أن تفرحني، بدأت تخيفني حقاً، فكيف لي أنا المصلوب في غربتي، الغارق في وحدتي، أن أكون عميداً للأدب المهجري، وهناك من سبقني الى خدمة هذا الأدب، فحين وصلت الى أستراليا عام 1971، حاملاً خيبتي من وطني، وجدت طريق الأدب المهجري معبداً، فمشيت عليه دون خوف، وكيف أخاف، وقد التقيت به بأجمل الوجوه الأدبية، التي غمرتني بحبها وتشجيعها، وسخرت أقلامها للكتابة عني. لذلك اسمحوا لي أن أعلن، وبكل شفافية: أنا لست عميداً للأدب المهجري، بل جندياً للدفاع عنه وحاملاً لرايته، إلى أن يحين يوم رحيلي".
يقول الأستاذ سعيد تركي الشهراني من جامعة ديكن ـ ملبورن عن شربل بعيني في مقال بعنوان "كيف حافظ العرب الأستراليون على الثقافة والأدب العربي في بلد المهجر؟" ما يلي:
"ومن أبرز الشعراء في الأدب العربي الشاعر اللبناني الأصل شربل بعيني والذي أسهم بعدة مؤلفات شعرية ونثرية ومسرحيات باللغة العربية وأخرى باللغة الإنجليزية".
وراح يشرح معاني قصيدة اختارهها له بطريقة مدهشة:
"يقول شربل بعيني واصفاً الأديب الغريب:
تَغْفو.. وَفِي الْعَيْنَيْنِ طَيْرٌ أَزْرَقُ
بِرِياشِهِ الْمَلْساءِ بَدْرٌ مُشْرِقُ
يَخْتالُ في نَبَضاتِهِ فَرَحُ الدُّجَى
وَعَلَى مَسامِعِهِ الْمَدائِحُ تُهْرَقُ
بِجَمالِهِ، ما صاغَ رَبُّكَ طائِراً
وَبِحُبِّهِ بَوْحُ الزَّمانِ مُعَلَّقُ
هَذا الْغَريبُ الْمُستَنيرُ بِفِكْرِهِ
شِعْرٌ يُضَمِّخُهُ الشَّذا والزَّنْبَقُ
أَحْبابُهُ، عُدَّ الدَّقائِقَ وَاسْتَرِحْ
فَتَرَى الْمَطارِحَ بِالْغَريبِ تُحَدِّقُ
لا تَحْسَبَنَّ الْهَجْرَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ
فالأَرْضُ وَقْعَ حُروفِهِ تَتَعَشَّقُ
قَبْلَ ارْتِحالٍ كَمْ تَمَنَّتْهُ الرُّبَى
مَطَراً.. وَحُلْماً أَخْضَراً يَتَفَتَّقُ...
إلى أن قال:
يا ابْنَ العُروبَةِ لا تَسَلْ فَعُيونُهُمْ
تَزْدادُ سِحْراً عِنْدَما تَتَأَرَّقُ
فَاكْتُبْ، أَديبـي، لا تَخَفْ أُرْجوزَةً
سَئِمَ الْمَغيبُ سَماعَها والْمَشْرِقُ
أَنْشِدْ، أَعانَكَ خالِقي، في غُرْبَةٍ
فَلَعَلَّكَ الإنسانَ فيها تُعْتِقُ.
عندما ننظر إلى قصيدة الشاعر نلمس مدى إحساسه كأديب بنظرة العالم من حوله عندما يتغنى بشعره بعيداً عن أرضه لبنان، حتى مع مرور السنين التي قضاها الشاعر في بلد المهجر تجد أن القلب يحنّ إلى أراضيه مهما كانت وعورتها. ومع وجود الحياه الساحرة في البلدان الأخرى إلا أن الشاعر العربي يجد نفسه لا إرادياً يتغنى بجبال ضيعته أو جمال أوديتها ويستمر في غنائها وأشعاره حتى مع علمه بوجود أعين الفضوليين من حوله".
اما الشاعر العراقي احمد الياسري، مدير تحرير جريدة العراقية، فقد كتب عنه رؤية نقدية وجدانية بمقالة نشرت في عموده الاسبوعي بجريدة العراقية، مرتبطة بموجة الحزن التي اجتاحت شربل بعيني بعد وفاة أخيه "مرسال"، فكانت شهادة الياسري في وقت وموقف غاية في الصعوبة ولكنه استطاع ان يدفع موجات الحزن عن صديقه بذكائه النقدي حين بوّب المقالة ووجها للقراء العراقيين الذين يعرفون شربل بعيني، ولم يطلعوا على امنيته الشعرية، وخصوصاً مناجاته الشعرية لشخصية الفيلسوف الاسلامي الكبير الامام علي بن ابي طالب حيث قال الشاعر والصحفي احمد الياسري في مقالته (صبراً يا صاحب المناجاة العلوية .. ان موعدك السكينة):
"لمن لا يعرف الشاعر اللبناني الكبير شربل بعيني في العراق أقول: ان هذا الشاعر المجدد هو احد اصدقاء الامام علي المسيحيين، فديوانه (مناجاة علي) الذي اعتبره الاديب العربي جورج جورداق تجربة ادبية شعرية متفردة و متميزة في قراءة شخصية المصلح والفيلسوف الانساني الكبير علي ابن ابي طالب.. تجاوز بها شربل حدود الشاعرية ليدخل بها آفاق السمو الانساني والانحياز للعاطفة البشرية التي ليس لها هوية ولا تعترف بحدود العقل، إشارتي الى هذه التجربة من تجارب الشاعر الموسوعي شربل بعيني لها دلالات وابعاد إنسانية واضحة، اممية هذا الشاعر وانسنته لكتاباته التي يخرجها من دوائر المألوف العقلي الى اللامألوف الروحي تجعله سلماً يتسلقه الموغلون في العشق، الذين يجمعون شتات حروفهم وافكارهم في الوطن الشعري المنفي شربل بعيني.
عام 2012 حين أقمنا حفل مولد جريدة العراقية التي يكتب بها الشاعر بعيني لم تكن علاقتي بشربل قوية لكنه فاجئني على المنصة بتلك الليلة بمقطوعة نثر اشاد بها بجهدي الشعري والصحفي بالجريدة جعلتني اشعر بخجل كبير، لم يكن شربل صديقي لكنه كان صديقاً لأفكاري، لم يرَ أي حرج بامتداحي وحين شكرته رفض الشكر وقال لي: "يا احمد اذا أردت ان تكون شاعراً متميزا فعليك ان تكون إنساناً متميزاً يقدر الإبداع ويحترمه مهما كان لونه او لغته..".
شربل بعيني هو خلطة إنسانية تتداخل بها كثافة المعنى مع الانحياز للمعطى الإبداعي مع التواضع والتواصل والتجدد متجرد من لغة الأطواق يدفع نفسه الى السمو بكل ما اوتي من قوة ادبية، كتب لبيروت وبغداد وعلي والمسيح، حين يعتلي منصات الشعر تجد ميخائيل نعيمة ينتفض من بين عروقه وحين يبحر بين امواج الهمس يذكرك بهمس البياتي واستصراخه لأزقة بغداد وشناشيل البصرة.
انه عميد أدبنا المهجري الاسترالي ليس بمنتجه الإبداعي فحسب بل بعطائه الانساني ورغبته المتمردة على كسر المألوف وخلق الجدل الذهني المتواصل بمختلف الأفكار الشعرية التي يحرص على طرحها بانتقائية وانحياز واضح لجمالية الفكرة وسمو المفهوم الأدبي، نتاجات شربل اللبنانية كانت عربية بامتياز ونتاجاته الفصيحة كانت لبنانية بتفرد، يُدخِلُ أبا نؤاس في ضواحي الشمال اللبناني وأروقة بيروت البحرية، ويخرج سعيد عقل وميخائيل نعيمة من ليال الف ليلة وليلة وسحر بغداد وغنجها العباسي الفريد..
ان الشعر في تجربة شربل بعيني وجع انساني غير منقطعٍ يتجاوز غلاف الازمنة ولا يقف عند سواتر الامكنة ، انه الضوء بكل ما يحمل من طاقة وإشعاع جمالي، والصوت بكل ما يحمل من هوسٍ على احتضان الصدى والانتشار في الفراغ.. انه الشاعر العربي اللبناني الاسترالي الكبير شربل بعيني.
اهدي هذه المقطوعة العراقية الصغيرة لهذه القامة الشعرية الفارعة تداعيات اغترابية:
دروبنا تقتلُ
وخطونا القاتلُ
نمشي على صخرةٍ
كأننا معولُ
نبدأ من فاصلٍ
لينتهي فاصلُ
نحملُ آمالنا
فيُرهقُ المحْمَلُ
نعيش في وحشةٍ
يغلي بِنَا مرجلُ
تسحقنا ارجلٌ
تتبعها ارجلُ
لا شيء إلا أنا
وانت يا شربلُ
وغربةٌ مرّةٌ
سكـُرها حنظلُ
إياك ان تنحني
فينحني السنبلُ
فَلَو هوت حبةُ
سيفرحُ المنجلُ
ولم يكتَفِ الياسري بذلكْ بل خصّه على صفحته بالفايس بوك بهذه العبارة التي تعتبر بحد ذاتها دراسة:
"شربل بعيني محطة من محطات الشعر العربي المهجري نفخر نحن الشعراء في استراليا اننا عاصرناه فهو امتداد منطقي لرواد الرابطة القلمية.
كما وصفه: "بالبحر الذي لا يمكن ان يهدأ فهو اكثر المبدعين قلقا وحركة حتى بين اسطر مقالاته".
ويسرني أن أختم بما بما قاله الأب الدكتور يوسف سعيد بكتاب "رسائل الأب يوسف سعيد الى شربل بعيني" المربد ـ بغداد 17-11-1987:
"شربل بعيني، يحبك كلماته كزنار مقتطع من قوس قزح. وحده يعرف كيف يصنع من ماء السواقي نسج السلسبيل والخرير. في المربد الثامن، أطلق عقيرته يناجي دماً، ويبارك شعراً. القصيدة التي قدمها بكل ما تملك في بواطنها من حمم أوقدت ناراً في صف الشعراء. بعيني.. أنت درّة نادرة الثمن، جاءتنا من لبنان وأستراليا".
من المعلوم عزيزي القارئ، أنّ أيّ مشهدٍ ثقافي بحاجة إلى وتدٍ يتوسط خيمته، أفليس لنا الحق نحن معشر كتّاب الكلمة وناشريها أو المشتغلين في الجمعيات والروابط الأدبيّة والحراك الثقافي في المنفى الأوزي (البعض أو الأغلبية)، أنّ ننتخب شربل وتدًا لخيمة الثقافة العربية وعميدًا لنا؟. سيّما وأنّ كبار الكتّاب والشعراء والأدباء العرب في مهجرنا وجدوا في منح شربل بعيني لقب عميد الأدب المهجري مطلبًا مُلحًا ومستحقًا.
ولئن نظرنا إلى الأسباب التي دفعتهم إلى هذا المطلب فأنني هنا أدفع إلى القارئ الأسباب الوجيهة، لأعلق كلمتي أيقونات واوسمة على سواري منجزه، بعد أن ايقظني الضمير على ضم صوتي إلى الآخرين في تفويضِ أديبٍ كبير رفيع الكلمة والخلق عميدًا لكلمتنا الاغترابيّة، اخفى قيمته في عباءة التواضع، سيّما وأننا نحيا في زمن بُتنا نصرخ فيه: يا أيها الأديب كن متواضعًا وخلوقًا".
- أصدر نحو 60 مؤلفًا من الكتب والدواوين في أستراليا [6].
- ساهمَ في التعريف عن الأدب المهجري الاسترالي في لبنان، العراق، سورية، مصر، اليمن، الكويت، الجزائر، أمريكا، السويد، لندن... من خلال ما كُتب عنه وعن أدبه ونشاطات رابطة احياء التراث العربي وعن مجلة ليلى وموقع الغربة في تلك البلدان.
- أَلَّفَ شربل وأخرج أكثر من 14 مسرحية للأطفال، أسموه بعدها برائد المسرح الطفولي العربي في أستراليا. وتجدر الإشارة أنَّ فنان العرب دريد لحام اشاد بجهوده يوم حضرَ إحدى مسرحياته في سيدني.
- يُزيّن أسمه مع نبذة عن حياته ومقتطفات من شعره معاجم عالميّة وعربيّة أهمها: معجم البابطين للشّعراء العرب المعاصرين/ الكويت، موسوعة الشّعر العامي اللبناني/ بيروت- لبنان.
إضافة الى الموسوعة الإنكليزيّة/ جامعة ديكن في ملبورن عن الأدباء الإثنيين في أستراليا.
- كتبه ترجمت الى عدة لغات عالميّة منها: الإنكليزيّة، الفرنسيّة، الإسبانيّة، الأورديّة، السريانيّة والفارسيّة، وهذا ما لم يحصل بهذا الكم لأيّ من أدبائنا وشّعرائنا العرب في مهجرنا هذا، وإن كان البعض منهم قد ترجمت نتاجاتهم إلى لغات غير العربيّة.
- توزع باسمه جائزة عالميّة [7] أوجدها الدكتور المرحوم عصام حدّاد وإدارة معهد الأبجديّة في مدينة جبيل اللبنانيّة.
- تبنّت وزارة التربية في ولاية NSW الأستراليّة مؤلفاته المدرسيّة، وعملت على طبعها، لا يزال العمل فيها إلى يومنا هذا في معظم المدارس العربيّة والأستراليّة.
- كُرّم كثيرًا، وحصل على جوائز أكثر، ولقب بألقاب لا حصر لها، آخرها اللقب الفخري الذي نحن بصدده الآن.
- كتبَ القصيدة المغناة للعديد من المطربين، نذكر منهم: هند جبران، ريما اليأس، وفاء صدقي، إسماعيل فاضل الذي غنى روائعه يا مصر، بغداد أنتِ حبيبتي، فافي.
- وإن كانت نسبة غير قليلة تعزو المبادرة في إنفتاح المشهد الثقافي العراقي على المشهد اللبناني والعربي في سيدني والعكس بالعكس إلى الأب يوسف جزراوي، فأنّ كاتب هذه السطور لا ينكر بأنّ اليد الطولى في هذا الانفتاح تعود إلى شربل بعيني، عقب أن عرّفه على الكثير من الأدباء والشّعراء والمثقفين اللبنانيين والعرب، ليكونا "البعيني والجزراوي" الرئة التي تنفس منها الحراك الأدبي والثقافي بين الجاليتين بالوقت الراهن في هذا البلد العزيز، فلم يغب الشّعراء والأدباء اللبنانين والعرب عن كلّ الاحتفالات التي اقامتها مؤسسة العراقيّة وآفاق ورابطة البيّاتي وغيرهم، وكذلك كانت الحال مع المثقفين العراقيين.
- أصدرَ صحيفة ورقيّة "صوت الأرز" وأسس مجلة ورقيّة والكترونيّة عرفت بمجلة "ليلى"، ضرب انتشارها الآفاق؛ حتّى أنّ نسخها الورقيّة وقعت بأيدي الشعرّاء نزار القباني ويوسف السعيد، ولعلّ أجمل ما اصدرته هو العدد الخاص عن وفاة نزار قباني.
- وليس خفيًا على أحد، أنّ شربل هاجر من لبنان في سنّ المراهقة بسبب ديوان مراهقة، ولما عاد إلى لبنان عقب غربة قسريّة دامت ما يقرب من العشرين عامًا، راح يستقصي بعين الشاعر أحوال البلاد وناسها، مقارنًا بين الماضي والحاضر، ومستذكرًا أمكنة وأصدقاء وأقارب وأيامًا سوّداء وبيّضاء وحكايات الضيعة. عاد فوجدَ شهرته قد سبقته إلى هناك، إذ وصلت الحال إنه تفاجأ بجائزة عالميّة تحمل اسمه، تصدر عن معهد الابجديّة في لبنان. وأذكر أنه روى لي هذه الواقعة، اسجلها هنا فلكلِّ فرشٍ عرشٍ:
لما وقعت على مسامعه أحاديث عن شحة وصول نشاطات وفعاليات الجالية إلى لبنان، وانتبه إلى أنّ ثمّة أمرًا ضروريًا في حياته كان قد تغافل عنه، فطوى النفس على أمرٍ ما. ولما دارت السنوات بفصولها وشهورها، قرر افتتاح مؤسسة الغربة الإعلاميّة (موقع، تلفاز، راديو) اجرى خلالها العديد من المقابلات التلفزيونيّة لمعظم الشخصيات الأدبيّة المغتربة. البعض ساهم في تعريفهم، والبعض الآخر ليسوا بحاجة إلى تعريف، لأنهم أشهر من ان يتم التعريف بهم، لكن مع "الغربة" ازدادت شهرتهم بشكلٍ أوسع. مساهمًا في نقل فعاليات الجالية إلى لبنان وغيرها من البلدان، حتّى وصل الأمر بمؤسّسة الغربة الإعلاميّة أنّ تكون حاضرة في المغرب والنمسا.
- كما كان له الجهود الحثيثة في تأسيس رابطة أحياء التراث العربي مع غيره، وليس سرًا أن شربل كان له الثقل الأكبر في الرابطة في بداياتها، إذ ساهم مع الرابطة في استقطاب شخصيات أدبيّة وثقافية للقدوم إلى سيدني والمشاركة في فعاليات الأدب المهجري، كان اخرهم الشاعرة والأديبة المصريّة فاطمة ناعوت.
- وقد يكون هو أوّل شاعر عربي مناصفة مع الشاعر يحيى السماوي قد شاركا في المربد الشّعري العراقي في العراق، قادمين من أستراليا.
- تناول العديد من الأدباء على اختلاف مللهم ونحلهم وجنسياتهم رحلته مع اليراع، فنشروا عنه أكثر من 20 كتابًا، ما خلا 11 جزءًا من موسوعة شربل بعيني بأقلامهم.
عام 1993 نشر الأديب السوري الراحل نعمان حرب، صاحب سلسلة "قبسات من الأدب المهجري" مقالاً في جريدة الثقافة السورية وعلى صفحتها الأولى، نأخذ منه ما يلي:
“ إنّني على صلة دائمة بأدباء وشعراء المهجر في كافّة أنحاء المعمورة، وأرى أن الشاعر شربل بعيني هو شاعر العصر في المغتربات، لا يوازيه أي أديب مهجري بغزارة الإنتاج الأدبي، ووضع مجهوده، وعبقريته، وماله، رهناً لإعلاء الأدب والفكر، وغرس الكلمة العربيّة في القلوب والنفوس، وبذل الذّات للحفاظ على ألق الحضارة العربيّة، وشدّ العلاقات والأواصر بين أبناء المغتربين وإخوتهم المقيمي".
الشاعر السوري مفيد نبزو فيقول في قصيدة كتبها عام 1988 ونشرها في ديوانه "شاعر أمتي شربل بعيني 2014":
"عرفتُهُ شاعراً.. غنَّى فأغنى
وهزَّ الأرضَ في شعرٍ متينِ
فَيَا أَمْواجُ هاتيهِ إِلَيْنا
وإلاَّ أَسرِعي ولَهُ خذيني
عروس الكرم قد تاقت إليهِ
تسائلني، أجاوبُها: دَعيني
أخافُ الشعر يُخجلُني فَهَيّا
أَعيني الشاعرَ المضنى أعيني
ولا تنسَيْ غداً، إِنْ عادَ، غَنِّي
فشاعرُ أُمَّتِي شربل بُعَيْني"
ومن سوريا أيضاً، أستشهد بعبارة للأديب محمد زهير الباشا صاحب كتاب "شربل بعيني ملاّح يبحث عن الله"، وجدتها في إحدى رسائله الى شربل، المنشورة في "الغربة":
".. فشعرك طاقة فنيّة ملهمة لا تلين أمام جبروت التسلّط، لأنك عشت وتعيش على درب الصفاء الثوري. فسيفك الشعري يخيف المتآمرين والمتخاذلين، وبريشة قصائدك تفضح المتحكمين برقاب الشعب".
وهل أجمل من التفاتة الشاعر السوري الدكتور اياد قحوش الى شربل في ديوانه الالكتروني "شربل بعيني شاعر الشعراء"، فلنقرأ ما كتب:
"وأنت يا شربل شاعر، ولكنك للأسف ذكي، فلا نقدر أن نجد هفوة لك مهما بحثنا. صلاتك الى أمنا فيروز مستجابة في سماء الشعراء لأنها شاعرة الغناء، ولأنك شاعر الشعراء".
ومن مصر أنتقي أبياتاً شعرية للمفتي الشيخ تاج الدين الهلالي، ألقاها في يوبيل شربل بعيني الفضي عام 1993:
"إنّ ذا يومٌ سعيد
هلا يا أحبّةَ عيني
إن ذا يومُ الوفاء
لك يا شربل بعيني
إن هنّأك الجمعُ مرّة
لأهنّأنَّكَ مرّتينِ".
بعده أنتقل الى الدكتور رفعت السعيد لأختار من بستانه هذه العبارة، التي يعلّق بها على منح المجلس القاري للجامعة اللبنانية الثقافية ـ فرع أميركا الشمالية لقب "امير الشعر في بلاد الانتشار" لشربل بعيني عام 2000 :
"لـم يضف المجلس القاري للجامعة الثقافيّة في العالـم أكثـر من أنّه اعترف بواقع واقعيّ، معترف به من جميع من يعرفون فضلك وإبداعك وشموخك".
ومن كتاب "حذار أن تصادق شربل بعيني 2014" للشاعرة فاطمة ناعوت، أختار:
"شربل بعيني شاعر وكفى! مبروك للمنصات عودتك، مبروك للعراقية والعراقيين كلماتك في آذانهم. فرحت بك الميكروفونات. وتعلّم منك الناس الشعر والكلم والحب. عش ألف عام".
أما الاعلامي اليمني أحمد الأشول فلقد كتب عام 1987 خلال وجوده في المربد العراقي هذه العبارة المنشورة في موسوعة "شربل بعيني بأقلامهم":
"شربل بعيني.. أثبت حقاً أن لونه الشعري يختلف ويتفرّد بميزة ما هنا في المربد".
ولكي ينفرد شاعر اليمن الأكبر محمد الشرفي بكلماته عن شربل بعيني نجده يجعل للقصائد أرجلاً كي تمشي، وعينين كي ترى، وأذنين كي تسمع، وهذه العبارات منشورة في كتاب "رسائل محمد الشرفي الى شربل بعيني":
"هل أقول إنك واحد ممن كنت أبحث عنهم في شعري، وأفتّش عنهم في زوايا الخيبة، وجفاف الأرض؟..
مثلك أيها الإنسان عملة نادرة، فأنت مبدع سلوكاً، ومبدع شعراً، ومبدع عملاً، وعلاقات مع الآخرين. لقد رأيت، وسمعت، وقرأت، فما أخطأت فيك عين، ولا خابت أذن، ولا كذبت قراءة.
وما كنت أحسب أن للقصائد قدمين تمشي بهما، وعينين ترى بهما، وأذنين تسمع بهما، حتى لقيتك".
عام 1988 أرسل الاستاذ المحاضر في جامعة تطوان ـ المغرب أحمد الطريبق أحمد رسالة أختار منها:
"إن الكتاب المرسل إليّ عن تجربتك، سيكون الجسر الروحي الذي سيربطني مع تجربة كل عربي في المهجر هنالك، هنالك في البعيد.
أما عن شخصك المرح، فقد افتقدناك في المربد التاسع، وهو مربد اللقاءات العربيّة على أيّ حال.. فيه من الشعر القليل، وفيه من الفوائد الكثير، وأهمها اللقاء الصادق الذي يربط بين الأدباء من أقصى الأرض إلى أدناها، ولا أدل على ذلك هذه الصداقة التي ربطتني وإياك، في صدفة من صدف الزمان".
ومن رسالة ابن السودان الدكتور تاج السر الحسن التي ارسلها إلى شربل عام 1987، أقتطف ما يلي:
"لـم أكن أصدّق عيني وأنا أتحدّث إلى واحد من أحفاد أساتذتي شعراء المهجر الكبار، حتى أتيح لي اللقاء بالشاعر الصديق شربل بعيني، فرأيت في وجهه البشوش طيبة أهل لبنان. وما أن قرأت قصيدته المربديّة، حتى أحسست فيها بصدق الشاعر، وأصالة التجربة".
أما البروفسور اليوغسلافي المستشرق رايد بوزوفيتش فلقد أدلى في المربد الشعري عام 1987 بهذه الشهادة: "شربل بعيني هو الشاعر الصارخ والمصارع من أجل الحقّ".
ومن تونس أستشهد بعبارة رائعة للأديب كمال العيادي المنشورة في كتاب "شربل بعيني الملك الأبيض" 2010:
"شكرا أيّها الملك الأبيض، وحارس حدود لبنان من نزق لبنان، أيّها الكاهن البديل، الذي يتربّع على عرش استراليا منذ عرفناه".
أحبتي القرّاء، من المؤكد أنّ كلمتي هذه عن الأستاذ شربل بعيني، ستقاس بمسطرة الإنحياز أو بمقياس المغالاة، على اعتبار أنّ كلّ تلميذ منحاز لأستاذه وكلّ صاحب يساند منجز صاحبه، لكنني حين أكتب، فإني أفعل هذا عن ضمير واتحدث عن اختبار وتجرد وموضوعيّة، إنطلاقًا من استحقاق شربل الذي كرس قلمه وأفنى عمره من أجل الأدب الأغترابي الأسترالي. وإن كنا نحيا في زمن كثر فيه المزورون والمدعون، لكنني على قناعة مطلقة أنّ الكثيرين يشيدون بجهوده ويقيمون خدماته ويثنون على أدبه ويحترمون قلعته الشّعريّة وهامته الإنسانيّة، خاصّة وأنّ البعض نشأ بين اسوارها. لهذا عكفت هنا على توثيق عادل ومنصف لوثيقة أدبيّة ثقافيّة تدعى شربل بعيني. ربّما هذا الطرح لا يهم القارئ، ولا يعود عليه بالنفع، فلن يلتفت إليه، لكني على قناعة أنّ الأيام ستمر ويصبح مادة تاريخيّة مهمة تستحق الإنتباه لها.
إنّ الجانب الشخصي للشّاعر شربل بعيني غاية في الجمال والرقي الإنساني، وعبقريّة أدبه فذة، فقد كان سّباقًا في نحت الإبداع الأدبي على صخرة المنفى. لذا فان الأدب العربي الأسترالي مدين لهذا الأديب الرائد المجدد، لأنه وضعه على الطرق الصحيحة دون أن يدعي ذلك، لأنه من طينة الزاهدين الذين لم يغرهم لمعان الذهب والدولار ولم يُبتلَ بمرض تكديسهما، ولم يعمِ بصيرته بريق الاضواء، ولم يقع في مطب العظمة أو الذاتيّة التي تجعل من صاحبها شخصية طاووسيّة لا ترى سواها، بل ظلَّ متواضعًا يحيا في صومعته البسيطة، يزهو بأدبه، زاهدًا ومتزهدًا عن متاع الدنيا. كريمًا يدرك كيف يُكرم الجميع، خاصّة الأصدقاء.
لم يمد يده لهذا وذاك مستجديًا المال والمجد والجوائز أو قراءة مقالاته أو كتبه كما يفعل أشباه الكُتّاب، بل بقي محتفظًا بقيمته التي أطلَّ بها بهالة لبنانيّة وموهبة أدبيّة ونزعة إنسانيّة واضحة.
إنّه شخص مُتأمل، له رؤية بعيدة ونظرة طويلة، يغلفهما دهاء أدبي. لا يتسرع في النقد، ولا يستسهل توجيه النصائح، غير أنه تسرع في نشر بعض مؤلفاته دون ان تختمر بشكلٍ جيد في فرن الزمن. ولعلّ جريمته الوحيدة هي رفضه دعوات للمشاركة في أكثر من مهرجان شّعري أكان في العراق [8] أو اليمن أو مصر أو تونس أو دبي أو الأردن.
لسانه لا يُصدّر إلّا كلمات المحبة والثناء، أما قلمه لا يعرف سوى التشجيع. لا ينظر إلى النقطة السوداء في اللوحة البيضاء، بل يحدق في النقطة البيضاء في اللوحة السوداء. لا يستهويه التهوين ولا التهويل، واقعي حتّى النخاع، منصف وموضوعي إلى حدٍ كبير.
وجَدَ في القول المأثور "اتقِ شرّ من أحسنت إليه" صدى بنسبة كبيرة في الوجوه التي عرفها، فمعظم من مدّ لهم يد العون وانتشلهم من واقعٍ مرير وعلمهم ما لا يعلمون وشرع لهم أبواب النجاح والإنتشار، تسلقوا على اكتافه بل قلّ على راسه كاللبلاب، ثمَّ انقلبوا عليه مفضلين مصالحهم في زمن الغدر والوصوليّة، زمن افتقدنا فيه النقاء ومبدأ الوفاء، البعض منهم عاد إلى جادة الوفاء والبعض الآخر لا يزال يجافي الحقيقة، لهذا لم ولن يتصور يومًا أنَّ السعادة تُبنى والخير يأتي على حساب الغير. فآثر الانعزال وقلة الاختلاط في السنوات الأخيرة، وأصبح فطنًا جدًا في إنتقاء الأصدقاء.
ونستشهد هنا بمقطع شّعري له، يؤكد صحة قولنا هذا، كان قد اثنى عليه (المقطع) المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي في رسالته إلى شربل المؤرخة: مدريد 14/4/1988:
"سكران وحدي بغربتي سكران
ومسكّر بْوابي بوجّ الناس
بْحاكي كْراسي البيت والحيطان
وبْصير إتخانق أنا والكأس".
يقرف شربل التضليل، ويحارب النمطيّة والعبثيّة. يمقت الإزدواجيّة والمنافسات اللئيمة، يبغض البخل في كلّ شيء، تفرحه نجاحات الناس. ليس له ذات متضخمة، لا يُحدّث الناس بترفع ولا ينظر إلى زملائه من برج الـ أنا، لم ولن يدعي يومًا أنه أفضل من الآخرين.
آمن منذ مطلع شبابه أنَّ بناء الذات لا يأتي على انقاض الآخر، وأنَّ النجاحات لا تتحقق بالدهس على الآخرين أو بالتقليل من شأن منجزاتهم أو من خلال وخز خنجر الغدر في خاصرتهم، بل تتحقق معهم.
ولأننا شعوبٌ (باستثناء البعض) تمتدح الآخر في الوجه وفي الظهر تنتف ريشه، اعتادت أن تُصفق للمبدع بيدٍ واحدة، تجيد اجهاض الموهبة في احشاء اصحابها أو قتل الإبداع وهو في مهده!. إلّا أنّ الحياة عند إبن مجدليا رغم كلّ المتاعب والجلطات النفسية التي تعرض لها في رحلة الأدب التي ناهزت النصف قرن، لم تزل شجرة مثمرة طيبة، تهب ثمارها للناس، يرميه الناس بالحجر فيرميهم بيانع الثمر.
ولقد تبين لي من إحتكاكي ومتابعتي لسلوكه، أنّه ظل ثابتًا وصادقًا مع الذات والآخر في زمن سقط فيه الكثيرون، حتّى أنّ البعض غيّر مواقفه أكثر من مرّة، بعد أنّ سار في كلّ الطرق الملتوية ليقابل القبلات بالطعنات، والبعض الآخر فضل شهرة سهلة صنعها لنفسه، وفرتها له مواقف ذليلة، وسلوكيات مريضة، ينفر منها القريب والبعيد.
وليس من قبيل المغالاة إن قلت: إنّ المكتبة العربية لا سيّما في أستراليا كانت ستفتقد جزءًا من عشاقها لو لم يجذبهم إليها صاحبنا بمؤلفاته التي يقع في شباكها كلّ من يودّ تأمّل الحياة بواقعية ونظرة إنسانيّة ورؤيّة جماليّة.
خاتمة مطافي:
بعد كلّ هذا ألا يحق لشربل بعيني أن يحمل لقب "عميد الأدب المهجري في أستراليا"؟. وأعود إلى نقطة البداية: لكلّ خيمة وتد، ولكلّ أدب عميد.
فلِمَ لا يا شربل؟!.
إذ ان المسألة ليست في جوهرها لقبًا شرفيًا، لا يغني ولا يسمن أحدًا، بقدر ما هي تكريس لتلك الخبرة الأدبيّة الطويلة في توحيد كلمة ونشاط الأدب الإغترابي تحت مرجعية أدبيّة، فما المانع من أن تكون انت يا شربل قبطانًا لسفينة الأدب المهجري الأسترالي؟. فأنتَ كالفنار تهتدي به البواخر وهي تمخر عُباب البحار في خضمِّها.
عني أنا شخصيًا أجد شربل بعيني جديرًا بهذه (الرسالة - المسؤولية) ويستحقها قلبًا وقالبًا. وأنتم ما رأيكم؟. أترك الجواب لكم.
ليحفظه الرب القدير شّاعرًا إنسانيًا أوْلمَ على شرف الكلمة الحرّة البنّاءة موائدَ أدبيّة لا تحصى. وليستمر قلمه شجرة تتهدل منها الثمار الوافرة في بستان الكلمة وحقل الشّعر[9] .
ـــــــ
[1] تعود الآن صحيفة التلغراف إلى السيّد والي وهبة، ويرأس تحريرها الزميل الأستاذ أنطوان القزّي، وتصدر حسب علمي 5 ايام في الاسبوع، ما عدا يومي السبت والأحد.
[2] تغير أسمها إلى صحيفة " المستقبل"، وهي تعود إلى الزميل الإعلامي جوزيف خوري، وتصدر كلّ يوم اربعاء وسبت.
[3] حدثني أحدهم عن أنّ الروائي الأسترالي الكبير، صاحب الأصول اللبنانية ديفيد معلوف سبق شربل بهذا المضمار، وحين بحثت وتحققت وجدت أنه طبع أوّل رواياته المعنونة "جونو" في استراليا باللغة الإنكليزيّة عام 1975. إنّ إشارتي اعلاه عن كتابٍ كُتب وطبع باللغة العربية.
[4] قد لا يختلف المتابعون والمنصفون بأنّ حركة أدبيّة ثقافيّة عراقيّة توهجت في السنوات الأخيرة، أنعشت المشهد الثقافي الأغترابي في سيدني.
[5] رسالة مؤرخة من مدريد بتاريخ 29/9/1988.
[6] ربّما يعترض البعض ويقول: إنّ شربل بعيني شاعر كمي، عددي، ما كاد القارئ ينتهي من مطالعة كتاب له، حتّى أطلّ عليه بكتابٍ آخر. اوافقهم الرأي وأعطيهم شيئًا من الحق، ولكن من يتعرف إلى شربل ويواكب نتاجه، سيكتشف إنّه شاعر نوعي من طراز فريد، موهبته فياضة، تتولد القصيدة عنده بشكلٍ يومي، يمطر من سمائه الشعريّة دُرر الكلام. فكيف لا يكون غزير الانتاج؟!.
[7] يراد من مفهوم العالميّة، شيوعها ومنحها للمستحقين في أكثر من دولة وعلى شخصياتٍ متنوعة من جنسيات متعددة.
[8] في مهرجان المربد التاسع
[9] معظم المراجع اليوم تكون إلكترونية، وما على الباحث سوى وضع العنوان في محرك البحث "غوغل" ليصل الى المرجع، وهذا ما حصل في العديد من الاستشهادات في هذه الدراسة.
**

